حكومة النساء لدى الخلفاء من بني العباس للأستاذ صلاح الدين المنجد

القائمة الرئيسية

الصفحات

حكومة النساء لدى الخلفاء من بني العباس للأستاذ صلاح الدين المنجد

 

حكومة النساء لدى الخلفاء من بني العباس للأستاذ صلاح الدين المنجد

حكومة النساء لدى الخلفاء من بني العباس من كتاب الخلفاء والخلعاء في العصر العباسي للأستاذ صلاح الدين المنجد

يقول (دوفيل) في كتابه عن الإمبراطورة (جوز فين)، إن من النساء من أوتين الميل إلى الحكم والرغبة فيه، رغم ما فيه من مشاق ومصاعب، لأنهن لا يرين في شيء من الأشياء مستحيلا. فتلك ظاهرة في طبعهن وغريزتهن. فهن يرغبن في الإحاطة بكل شيء علماً، وعرفان ما تحته وما فوقه، ليتممن النقص الذي فيهن. فهن يحكمن على عشاقهن؛ فإذا أخطأهن ما أملن، حكمن على أزواجهن وأولادهن ثم تعدين ذلك إلى حكم صواحبهن، فإذا وجدن المجال ذا سعة، وكن ممن يلوذ بالملوك والأمراء والوزراء، سولت لهن أنفسهن أن يحكمن الرعية ويدبرن أمورها.

أما حكمهن العشاق، فأمر لا ريب فيه، فهن في أغلب الأحايين، عابثات بالقلوب، لاعبات بالألباب. أما حكمهن الأزواج فأمر كثير الوقوع، وندر أن تجد امرأة لا تحكم زوجها. ولكن حكمهن العباد، وتصرفهن في الأمور، وتدبيرهن الملك قد تبدو مستحيلة لا تقع، بعيدة لا تنال. على أن لجاجة النساء لا توصف وإلحاحهن لا يدرك، ثم هن لا يعرفن المستحيل. وفي التاريخ الإسلامي ألوان من البرهانات، تدل على حكمهن. وسأسوق الأدلة من بدء العصر العباسي، إلى منتصف القرن الرابع الهجري.

وقبل أن أبدأ، أذكر أن الجاحظ قد لاحظ بعض هذا، فقال: (إنه لم يزل للملوك إماء يختلفن في الحوائج ويدخلن في الدواوين، ونساء يجلسن للناس) فيذللن ما صعب وينلن ما بعد. على أن سلطانهن، كان على قدر مبلغ سحرهن ونفوذ أثرهن، وتملكهن قلوب الخلفاء. وواضح أن تحكمهن يكون على قدر ضعف الخليفة ورقة عقله، وانقياده. ولذلك تجد أن بعضهم تركوا لهن الأمر كله، وأن بعضهم سايروهن مرة، وغاضبوهن مرة، وآخرون لم يحفلوا بهن أبداً.

فالسفاح، ابتعد عن النساء، فلم يرغب فيهن لملذاته بله استشاراته. وحاول خالد بن صفوان أنه يثير شهواته مرة بذكر الجواري وأو صافهن ليغريه بشرائهن، فلم يفلح. وكان يقول: العجب ممن يترك أن يزداد علماً، ويختار أن يزداد جهلا. فسئل: ما تأويل ذلك؟ قال: تترك مجالسة مثلك ومثل أصحابك ويدخل إلى امرأة فلا يزال يسمع سخفاً ويروي نقصاً.

على أن المنصور كان ألين منه، وأندى سمعاً للنساء. فقد تزوج ابنة منصور الحميرية، فشرطت عليه أن لا يتزوج ولا يتسرى إلا عن أمرها، ففعل. ولم يتعد سلطانها زوجها.

وبدأ سلطان المرأة يقوى مذ تولى المهدي الخلافة، وتزوج الخيزران. فقد كان لها سلطان على القصر، والندماء والحجاب والأطباء، تقرّب منهم من تشاء وتبعد من تشاء. ولقد أخذت مرة في مناكدة بختيشوع بن جورجيس الطبيب ومضاربته، وأثرت في المهدي، فلم ير بداً من إعادته إلى جند يسابور.

فلما ولي الخلافة الهادي زاد نفوذ الخيزران وتدخلها في شؤون الدولة. وقد كان الهادي يتناول المسكر، ويلعب ويلهو، ويركب حماراً فارهاً، ولا يقيم للخلافة أبهة ولا عظمة؛ فلا عجب ممن كان هذا شأنه إن وكل أمور الدولة كلها إلى أمه الخيزران. فقد كان كثير الطاعة لها يجيبها فيما تسأل من الحوائج. فكانت المواكب لا تخلو من بابها. وبلغ الأمر بها أن استولت على زمام الأمور. واستيقظ الهادي من غفوته أو غفلته، ورأى أن أمور الدولة بين يدي أمه. فكلمته ذات يوم في أمر، فلم يجد إلى إجابتها سبيلا فاعتل بعلة، فقالت لابد من إجابتي. قال لا أفعل. قالت: إذاً لا أسألك حاجة أبداً. قال إذاً والله لا أبالي، ولئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي أو أحد من خاصتي أو خدمي لأضربن عنقه، ولأقبضن ماله، فمن شاء فليلزم ذلك). ثم أخذ يعنفها ويؤنبها ويقول لها: (ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم؟ أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك، إياك إياك أن تفتحي فاك في حاجة لمسلم ولا ذمي).

وكانت الخيزران من ذوات الأثرة. وهذا النوع من النساء لا يبالي بما يفعل في سبيل إرضاء الأثرة والأنانية وبسط النفوذ. ولقد كانت ترغب في الأمر والنهي والحكم. فوقف الهادي - بعد أن اتسع الخرق - ليسترد سلطانه. فلما ضايقها الأمر، وآنست من ابنها معارضة وقوة، وآلمها أن يذهب سلطانها، وترد المواكب عن بابها، أرادت أن تنتقم منه، فدست إليه جواري من جواريها، غطين وجهه وجلسن فوقه، فقتلنه. كل ذلك ليعود الأمر إليها وحدها كما كان. وقد تم لها ما أرادت وتدفقت عليها الأموال، حتى بلغت غلتها قبيل موتها مائة ألف ألف، وستين ألف درهم. وقد قدر أحدهم أن هذا المبلغ يعادل نصف خراج المملكة العباسية آنئذ وثلثبي غلة رو كفلر في أوائل هذا القرن.

فلما ولي هارون الخلافة كانت الخيزران هي الناظرة في الأمور، وكان يحي بن خالد يعرض عليها ويصدر عن رأيها. وكان الرشيد لا يعصي لها أمراً. وقد ذكر الطبري أن الرشيد لما عاد من دفنها، دعا الفضل بن الربيع وقال له: وحق المهدي، إني لأهم لك من الليل بالشيء من التولية وغيرها، فتمنعني أمي، فأطيع أمرها.

أما بعد مقتل البرامكة فقد استبد الرشيد برأيه، حتى إن ظئره أم جعفر - وكانت قد أرضعته وربته - دخلت عليه أيام النكبة، فتلقاها وأكب على تقبيل رأسها ومواضع ثدييها. فقالت يا أمير المؤمنين: أيعدو علينا الزمان ويجفونا، خوفاً لك، الأعوان، وقد ربيتك في حجري وأخذت برضاعك الأمان من عدوي ودهري. . . ثم أخذت تستشفعه في يحيى والفضل، فلم يسمع لها ولم يرق لكلامها.

ولم يكن لزبيدة من الأمر، زمن الرشيد ما كان للخيزران وإن كانت هي أيضاً ذات سلطان. وكانت تهب وتصل وتعطي وتستشفع، ولكنها ما كانت لتتدخل في شؤون الدولة. ولعل ذلك راجع إلى البرامكة الذين استولوا على الأمور كلها.

وفي الحقبة الممتدة بين خلافة المأمون والمعتضد، نلاحظ تدخل القيان من مسمعات ومغنيات وشو اعر في أمور الدولة. ونلاحظ عظيم سطوتهن عند الخلفاء. فكن يستشفعن ويقربن ويولين ويبعدن. وإن كان بعض هذا قد حدث زمن الرشيد أيضاً. فقد كان كلفاً بذات الخال فحلف لها يوماً أن لا تسأله شياً إلا قضاه، فسألته أن يولِّي رجلا يحبها، الحرب والخراج بفارس سبع سنين، ففعل ذلك وكتب عهده به وشرط على ولي العهد بعده أن يتمها له إن لم تتم في حياته. ولعله أجابها إلى ما سألت ليخلو له الجو. . .

ويذكر الأصبهاني أن إبراهيم بن المدبر، لما سجن، سألت عريب - وما أدراك ما عريب! - الخليفة في إخراجه، فوعدها بما تحب، ثم أطلقه.

وكانت القيان ذوات السلطان، يتعصبن لطائفة سياسية، ويشايعن مذهباً، ويقضين حوائج أهله عند أولي الأمر. وقد ذكر أبن المعتز أن فضلا الشاعرة - وكانت في نهاية الجمال والكمال والفصاحة وجودة الشعر - كانت تتشيع، وتتعصب لهذه العصابة من الناس، وتقضي حوائجهم بجاهها ومنزلتها عند الملوك والأشراف.

وغضب الواثق مرة على إسحاق الموصلي، فرضته عليه فريدة جاريته، وكانت فريدة أثيرة عند الواثق حظية لديه.

وإذا تتبعنا أخبار هؤلاء النساء والقيان، نجد أنهن، حوالي سنة 300هـ، أصبحن ذوات سلطان كبير. ويذهب آدم متز إلى أنهن كن يطالبن بالحق في المهام الكبيرة - وما أشبه الليلة بالبارحة - لأن أبن بسام الشاعر يقول:

ما للنساء وللكتا ... به والعمالة والخطابة

هذا لنا، ولهن منا ... أن يبتن علي جنابة.

على أن القرن الرابع قد أمتاز بالقهرمانات؛ فقد كان لهن الأمر كله، وكن يعملن الأعمال الكبار؛ يعزلن الوزراء ويولين الولاة، ويجلسن للمظالم. وقد ذهبن إلى أبعد من هذا وذاك، فكن يقضين بين الناس. فأم موسى القهرمانة هي التي أوصلت أبا الحسين بن أبي البغل إلى الوزارة، فكان لا يخرج عن أمرها وكانت تجلس أخاً لها عند القصر، فيلقاه الناس وأصحاب الحوائج فيأخذ رقاعهم وشكاواهم وقصصهم إليها.

وهي التي أغرت المقتدر بالله والسيدة أمه، بعلي بن عيسى بن داو ود في وزارته (سنة 304) فقبض عليه وأودع السجن.

وهي التي كانت تزيد في أرزاق الخدم وتنقص منها.

والسبب في تدخل هؤلاء القهرمانات في أمور الدولة، ضعف المقتدر. فقد كان مشهوراً بالتدبر بآراء النساء. وكانت السيدة والدته وخاطف، ودستنبويه، أم ولد المعتضد، يدبرن الأمر لصغره. ثم ظل تدخلهن جارياً. وهكذا انتقلت الحكومة في أيامه، في بغداد، من الرجال إلى النساء.

وفي سنة (306هـ)، صار الأمر والنهي لحرم الخليفة - المقتدر دائماً - ولنسائه. وآل الأمر إلى أن أمرت أم المقتدر قهرمانة لها تعرف (بمثل) أن تجلس للمظالم بالتربة التي بنتها بالرصافة، وأن تنظر في رقاع الناس كل جمعة، فكانت تجلس وتحضر القضاة والأعيان وتبرز التواقيع وعليها خطها.

وقبضت أم المقتدر على زمام الأمر. وامتد سلطانها على كل شيء حتى إنها كانت تراقب - لحذرها - ما كان يقرأه أبناؤها. وقد ذكر الصولي انه كان يوماً عند الراضي يقرأ عليه شيئاً من شعر بشار، وبين يدي الراضي كتب لغة وكتب أخبار، إذ جاء خدم من خدم السيدة جدته، وهي شغب أم المقتدر، فأخذوا جميع ما بين أيديهما من الكتب، فجعلوه في منديل أبيض كان معهم ومضوا. فاغتاظ الراضي. فسكن منه أستاذه، وأفهمه أنهم أردوا أن يمتحنوا الكتب. ولما مضت ساعتان أو نحو ذلك ردوا الكتب بحالها، فقال لهم الراضي: قولوا لمن أمركم بهذا: قد رأيت هذه الكتب، وإنما هي حديث وفقه وشعر ولغة وأخبار وكتب العلماء. وليست من كتبكم التي تبالغون فيها مثل عجائب البحر، وحديث سندباد، والسنور والفأر.

وظل المقتدر على عرش الخلافة زهاء خمسة وعشرين عاماً، والنساء من حوله يحكمن.

ومن الطرافة أن نذكر هنا أن المعتضد كان قد تنبأ لابنه المقتدر بأن النساء سيستولين عليه. حدث صافي الحرمي مولي المعتضد قال: مشيت يوماً بين يدي المعتضد، وهو يريد دور الحرم فلما بلغ باب (شفـ) أم المقتدر، وقف يتسمع ويتطلع من خلل الستر فإذا هو بالمقتدر، وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها وهو جالس، وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن، وبين يديه طبق فيه عنقود عنب في وقت لا يوجد فيه العنب، والصبي يأكل عنبة واحدة ثم يطعم الوصائف كلهن على الدور، حتى إذا بلغ الدور إليه أكل عنبة واحدة، حتى فني العنقود، والمعتضد يتميز غيظاً. فاهتم ورجع، فسألته فقال: والله يا صافي لولا النار والعار لقتلت هذا الصبي اليوم، فإن في قتله صلاحاً للأمة. فقلت يا مولاي حاشاه، أي شيء عمله؟ أعيذك بالله من اللعين إبليس. فقال ويحك، أنا أبصر بما أقول. أنا رجل قد سست الأمور وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد، ولا بد من موتي، وأعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي، وسيجلسون ابني علياً (يعني المكتفي)، وما أظن عمره يطول للعلة التي به (يعني الخنازير التي كانت في حلقه) فيتلف عن قريب، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي، فلا يجدون بعده أكبر من جعفر (يعني المقتدر) فيجلسونه وهو صبي، وله من الطبع في السخاء هذا الذي رأيت فتحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن، ويقسم ما جمعه من الأموال كما قسم العنب.

وكانت الصورة كما قال المعتضد بعينها.

وفي عهد المقتدر اشتد سلطان امرأة أخرى يقال لها (زيدان) وكان لها طبيب خاص بها، هو عيسى البغدادي، يحمل الرقاع بين الوزراء وربما حملها إليها لتعرض ذلك على الخليفة.

وقد استطاعت زيدان هذه أن تتمكن من جواهر المقتدر وأن تأخذ سبحة لم ير مثلها، كان يضرب بها المثل، فيقال سبحة زيدان. وكانت قيمتها ثلاثمائة ألف دينار. واستطاعت أن تجعل دارها سجناً. فقد سجن عندها علي بن عيسى بن داود بعد وزارته، ومن قبله وكل بابن الفرات عندها، كما سلم إليها الأمر الحسين بن حمدان أيضاً

وثمة خليفة آخر لعبت به النساء، هو المستكفي. فقد كان عبداً لحسن الشيرازية. وكانت هذه قد سفرت بينه وبين توزون القائد التركي، واستطاعت أن يكون خليفة، وتولت أيضاً سمل المتقي بيد غلامها السندي.

وأصبحت بعد ذلك تستبد بالمستكفي، وتتولى عرض الغلمان والحجاب في قصر الخليفة، في مجلس يقال له الحوذان. فانخرقت الهيبة بهذه المرأة، وذهبت الرسوم التي كانت للخلافة، وصارت الدار طريقاً لكل من يراها.

ويتضح من هذا، ما كان عليه خلفاء بني العباس، حتى منتصف القرن الرابع، وما كان من أثر النساء فيهم، وما أدى إليه تدخلهن في الأمور، من انخراق الهيبة، وضياع الأمور، وانتشار الفوضى. وهذه نتائج طبيعية محتومة لمن يولي أمره امرأة ويدعها تفعل ما تشاء.*

**************************

القرية الفضية. . . صور من العصر العباسي : للأستاذ صلاح الدين المنجد


هذه القرية، هي إحدى عجائب العصر العباسي في بغداد. وما أكثر ما كان من زمن العباسيين من عجائب! وكانت قرية من فضة، وفيها كل ما تجد في القرى من بقر، وغنم، وجمال، وجواميس، وأشجار، ونباتات، ومساح، وناس، وكل ذلك قد صنع بأدق صنعة من الفضة، وأنفق عليه آلاف من الدراهم.

وكانت هذه القرية قد صنعت للخليفة المقتدر، ليرى كيف تكون القرى، وأغلب الظن أنه اشتهى رؤية قرية فصنعت هذه له.

وقد نعجب بالحضارة الإسلامية التي بلغت في القرن الرابع نضجها فأبدعت أشباه هذه الأشياء. وقد يدهشنا ما أنفق هذا الخليفة من الأموال، لتصنع له هذه القرية، ولكن الذي يدعو إلى العجب والدهشة معاً، قصة هذه القرية، وأثر النساء في مصيرها.

وهذه القصة جديرة بأن تكون خاتمة لمقالي السابق عن حكومة النساء لدى الخلفاء في زمن بني العباس.

ذلك بأن أم المقتدر، - وكان لها من الشأن ما عملت - كان لها داية تخدمها تسمى (نظم) وكانت نظم بارعة ذكية، فما زالت حتى صارت من قهارمها، وصارت تجري على يديها الكبير من الأمور والصغير، وكانت نظم ترغب في رجل أسمه أبو القاسم يوسف بن يحيى، فرفعته، وانتهت به إلى أسنى الأرزاق وأوسع الأحوال، وقربت بينه وبين السيدة حتى أخرجت له الصلات، فتأثلت حاله، وصار صاحب عشرات ألوف من الدنانير ثم خلطته بخدمة السيدة الأم، فزاد منها تقرباً.

وعزم أبو القاسم هذا، على تطهير ابنه يوماً، فأعد وليمة الختان عدة كبيرة، وأنفق على ذلك ما لم يسمع أن فعل مثله رجل من الحاشية، حتى إنه لكثرة ما ابتاع من الحاجات أفرد عدة دور للحيوان، وعدة دور للفاكهة، وبلغ (نظم) خبره، فسعت عند السيدة الأم وجاءته من عندها بالأموال والفرش والآنية والثياب والمخروط (وهو نوع من الزجاج)، فلما مضت أيام سألت السيدة نظماً: يا نظم إيش خبر طهر ابن يوسف؟ قالت: يا ستي قد بقيت عليه أشياء يريدها، فقالت: خذي ما تريدين واحمليه إليه، فجاءت نظم إليه فقالت: إن كان قد بقي في نفسك شيء، فعرفني. فقال لها: الختان غداً، وما بقي في نفسي شيء إلا وقد بلغته بك، وقد بقي في نفسي شيء لست أجسر على مسألته. قالت: قل ما في نفسك. قال: أشتهي إعارة القرية الفضية التي عملت لأمير المؤمنين ليراها الناس في داري، ويشاهدوا ما لم يشاهدوا مثله، فيعلموا ما لي من الاختصاص والعناية. فوجمت، وقالت هذا شيء عمله الخليفة لنفسه، ومقداره عظيم، وفي هذه القرية مئات الألوف من الدراهم، ولا أحسب جاهي يبلغ إليها. وكيف يستعار من خليفة شيء؟ ومتى سمع بخليفة يعير؟ ولكن أنا أسأل السيدة. ومضت.

قال أبو القاسم: فلما كان الليل جاءتني، فقلت ما الخبر؟ فقالت كل ما تحب، قد جئتك بالقرية هبة لا عارية، وجئتك معها بصلة ابتدأ بها أمير المؤمنين من غير مسألة أحد. فقلت ما الخبر؟ قالت: مضيت وأنا منكسرة القلب، آيسة من أن يتم هذا. فدخلت على السيدة، على هيئتي تلك. فقالت من أين؟ قلت من عند عبدك يوسف، وهو على أن يطهر ابنه غداً. قالت أراك منكسرة، قلت: ببقائك ما أنا منكسرة. قالت: ففي وجهك حديث، فقلت: خير، قالت: بحياتي عليك، ما ذاك؟ قلت: قد شكر ما عومل به ودعا وقال إني كنت أحب أن أتشرف بما لم يتشرف به أحد قبلي ليعلم موضعي من الخدمة. قالت: وما هو؟ قلت: يسأل أن يعار القرية ليتجمل بها، ويردها من غد. فأمسكت. ثم قالت: هذا شيء عمله الخليفة لنفسه، كيف يحسن أن يرى في دار غيره؟ وكيف يحسن أن يقال إن الخليفة استعار منه بعض خدمه شيئاً ثم استرده منه، وهذا فضيحة. وليس يجوز أن أسأله هبتها له لأني لا أدري إن كان قد ملها وشبع منها أم لا؟ فإن كان قد ملها فقيمتها عليه هينة. وإن كان لم يملها لم أرض أن أفجعه بها، وسأسبر ما عنده في هذا.

ثم دعت بجارية فقالت: اعرفوا خبر الخليفة، فقيل لها هو عند فلانة، فقالت (أي لنظم) تعالي معي، فقامت، وأنا معها وعدة جوار حتى دخلت، وكانت عادته إذا رآها أن يقوم لها قائماً، ويعانقها، ويقبل رأسها، ويجلسها معه في دسته (قالت نظم): فحين رآها قام وأجلسها معه، وقال: يا ستي - وهكذا كان يخاطبها - ليس هذا من أوقات تفضلك وزيارتك! فقالت: ليس من أوقاتي. ثم حدثته ساعة، وقالت: يا نظم متى عزم ابنك يوسف (!) على تطهير ابنه؟ قلت. غداً. فقال الخليفة: إن كان يحتاج إلى شيء آخر أمرت به. فقالت: هو مستكف داع، ولكن قد التمس شيئاً ما أستحسن خطابك به. قال أريد أن أشرف على أهل المملكة كلهم، ويرى عندي ما لم ير في العالم بمثله. قال: وما هو؟ قالت: يا سيدي يلتمس أن تعيره القرية، فإذا رآها الناس عنده ارتجعت. فقال يا ستي، والله هذه ظريفة! يستعير خادم لنا شيئاً، وتكونين أنت شفيعة، فأعيره ثم أرتجعه، هذا من عمل العوام لا الخلفاء. ولكن إذا كان محله من رأيك، هذا، حتى قد حملت على نفسك بخطابي وتجشمت زيارتي، وأنا أعلم أنه ليس من أوقات الزيارة، فقد وهبت له القرية، فمري بحملها بجميع آلاتها إليه، وقد رأيت أن أشرفه بشيء آخر، يحمل إليه غداً جميع وظائفنا، ولا يطبخ لنا شيء البتة، بل يرسل إليه، وبؤخذ لنا سمك طري فقط.

وأمرت السيدة بنقل القرية، فتملكها أبو القاسم.

فهذه قصة بسيطة، على أن فيها كثيراً من حياة القصر زمن المقتدر، وهي تبين لنا طرق الكلام، والمحادثة، وطرق تآمر النساء على الخليفة، وطرق تبذير الأموال. على أن أعظم هذه الأشياء كلها، هو تأثير نظم والسيدة في الخليفة، وانقياد هذا الخليفة للنساء، وتركه الأمور لهن يصرفنها كيفما شئن وأردن.


**************************************************

الخلفاء العباسيون والهدايا للأستاذ صلاح الدين المنجد


درج الناس في العصر العباسي على تقديم الهدايا للخلفاء، ونلاحظ أن هذه الهدايا كانت تقدم في النيروز والمهرجان، وفي الفصد، وفي العودة من الحج، هذا عدا الهدايا التي كانت تحملها الرسل الواردة على الخليفة من الولاة والأمراء، أو من ملوك الروم.

أما الهدايا في النيروز والمهرجان، فعاده فارسية أخذها العرب عن الفرس منذ فجر العصر الإسلامي. ويقول الجاحظ إنها كانت معروفة زمن معاوية، وظلت كذلك طول عهد الأمويين، حتى جاء عمر بن عبد العزيز فأبطلها. فلما دالت دولة الأمويين، وقامت دولة العباسيين، عادت هذه العادة إلى الناس، وصارت فرضاً عليهم نحو الملوك.

ويبين الجاحظ العلة في تقديم الهدايا في النيروز والمهرجان فيقول: (وإن من حق الملك هدايا المهرجان والنيروز، والعلة في ذلك إنهما فصلا السنة، فالمهرجان دخول الشتاء وفصل البرد، والنيروز إيذان بدخول فصل الحر)

(ومن حق الملك أن تهدي إليه الخاصة والعامة، والسنة في ذلك عندهم أن يهدي الرجل ما يحب من ملكه إذا كان في الطبقة العالية، فإن كان يحب المسك أهدى مسكا لا غيره، وان كان يحب العنبر أهدى عنبراً، وإن كان صاحب بزة ولبسه أهدي كسوة وثياباً، وإن كان من الشجعان والفرسان، فالسنة أن يهدي ذهباً أو فضة، وإن كان من عمال الملك، وكانت عليه متأخرات أو بقايا للسنة الماضية جمعها وجعلها في بدر حرير صيني وشريحات فضة وخيوط ابريسم. . . ثم وجهها. وكان يهدي الشاعر الشعر، والخطيب الخطبة، والنديم التحفة والطرفة والباكورة من الخضروات. وعلى خاصة نساء الملك وجواريه أن يهدين إلى الملك ما يؤثرنه. ويجب على المرأة من نساء الملك إن كانت عندها جارية تعلم أن الملك يهواها ويسر بها، أن تهديها إليه بأكمل حالاتها، وافضل زينتها، وأحسن هيأتها. فإذا فعلت ذلك، فمن حقها على الملك أن يقدمها على نسائه ويخصها بالمنزلة ويزيدها في الكرامة).

وعاد الجاحظ في المحاسن والأضداد ففصل ما اجمل. قال: وجعلوا شعارهم: كل يهد على قدره. فكان القواد يهدون النشاب والأعمدة المصمتة من الذهب والفضة. والكتاب والوزراء والخاصة من قراباتهم جامات الذهب والفضة المرصعة بالجوهر، وجامات الفضة الملوحة بالذهب. والعظماء والأشراف يهدون البزاة والعقبان والصقور والشواهين والفهود. وربما أهدى الرجل الشريف سوطاً. وكانت الحكماء يهدون الحكمة والشعراء الشعر، وأصحاب الجوهر الجوهر، وأصحاب نتاج الدواب الفرس الفاره والشهري النادر. والظراف قرب الحرير الصيني مملوءة ماء ورد. والمقاتلة القسي والرماح والنشاب. وكانت نسوة الملك تهدي إحداهن الجارية الناهدة والوصيفة الرائعة، والأخرى الدرة النفيسة والجوهرة الثمينة، وفص خاتم، وما لطف وخف. وأصحاب البز الثوب المرتفع من الخز والديباج وغير ذلك والصيارفة نقر الذهب مملوءة بالفضة، وجامات الفضة مملوءة دنانير.

وكان للهدايا كاتب خاص، يكتب اسم كل مهد، وجائزة كل من يجيز الملك على هديته ليودع ديوان النيروز مهما كان شأن الهدية، صغرت أم كبرت، كثرت أم قلت. فإذا أهدى أحدهم الملك هدية، ثم لم يخرج له من الملك صلة، عند نائبة تنويه، أو حق يلزمه، فعليه أن يأتي ديوان الملك ويذكر بنفسه.

ويذهب آدم متز إلى أن المهرجان كان يمتاز خاصة بأن الرعية يهدون فيه إلى السلطان، ولا وجه لتمييز المهرجان من النيروز وقد رأيت أن الجاحظ جعلهما سواء، وذكر هدايا المهرجان، وهدايا النيروز. وقد كان النيروز عيداً قومياً، يحفلون به حفلهم بعيد الفطر، ويتبارون فيه بالقصائد والهدايا.

ولنر الآن أنموذجات من هذه الهدايا، في ضروبها وأصنافها.

فقد أهدى المنصور الوصائف من الرجال. حدث الفضل بن الربيع عن أبيه قال: كنت في خمسين وصيفاً اهدوا للمنصور، ففرقنا في خدمته.

وأهدت جارية إلى المهدي تفاحة، فأعجب بهذه الهدية وقال:

تفاحة من عند تفاحة ... جاءت فماذا صنعت بالفؤاد

والله ما أدري أأبصرتها ... يقظان أم أبصرتها في الرقاد؟

ولما عشق أبو العتاهية عتبة، جعل هديته إلى المهدي وسيلة لوصالها. فقد ذكر المبرد أن أبا العتاهية استأذن في أن يطلق له أن يهدي إلى أمير المؤمنين في النيروز والمهرجان.

فأهدى له في أحدهما برنية ضخمة فيها ثوب ناعم وطيب، قد كتب على حواشيه:

نفسي بشيء من الدنيا معلقة ... الله، والقائم المهدي يكفيها

إني لأيأس منها ثم يطعمني ... فيها احتقارك للدنيا وما فيها

وحدث إبراهيم بن المهدي قال: كنت عند الرشيد، فأهديت له أطباق ومعها رقعة. فلما قرأها استفزه الطرب. فقلت: يا أمير المؤمنين ما الذي أطربك؟ قال: هذه هدية عبد الملك بن صالح. ثم نبذ إلى الرقعة فإذا فيها: (دخلت يا أمير المؤمنين بستاناً أفادنيه كرمك، وعمرته بنعمتك، وقد أينعت ثماره وفاكهته. فأخذت من كل شيء وصيرته في أطباق القضبان، ووجهته لأمير المؤمنين ليصل إلي من بركة دعائه، مثل ما وصل إلي من بركة عطائه).

قلت وما في هذا ما يقتضي هذا السرور. قل ألا ترى إلى ظرفه كيف قال القضبان، فكنى عن الخيزران إذ كان يجري به اسم أمنا.

ثم كشف المنديل فإذا بعضها فوق بعض، في أحدها فستق وفي الآخر بندق إلى غير ذلك من الفاكهة.

أهدى أحمد بن يوسف للمأمون مرة ثوب وشى. وأهدى إليه مرة ثانية طبق جذع عليه ميل من ذهب فيه اسمه منقوش. وكتب إليه: (هذا يوم جرت فيه العادة، بألطاف العبيد السادة، وقد أرسلت إلى أمير المؤمنين طبق جذع فيه ميل).

وأهدى عبد الله بن طاهر له فرساً، وكتب إليه: (قد بعثت إلى أمير المؤمنين بفرس يلحق الأرانب في الصعداء، ويجاوز الظباء في الاستواء، ويسبق في الحدور جري الماء.

وهدية الخيل كانت معروفة من قبل فقد أهدى الحجاج عبد الملك فرساً، واهدي عمرو بن العاص إلى معاوية ثلاثين فرساً من سوابق خيل مصر.

ولما أفضت الخلافة إلى المتوكل اهدي إليه إليه الناس على أقدارهم وأهدى إليه ابن طاهر هدية فيها مائتا وصيفة ووصيف. وفي الهدية جارية يقال لها محبوبة كانت لرجل من أهل الطائف قد أدبها وثقفها وعلمها من صنوف العلم وكانت تحسن كل ما يحسنه علماء الناس. فحسن موقعها من المتوكل، وحلت من قلبه محلا جليلا.

وبعث الحسن بن وهب إلى المتكل بجام من ذهب فيه ألفا مثقال من عنبر.

وأهدى إليه خالد المهلبي في يوم نيروز ثوب وشي منسوجا بالذهب ومشمة عنبر عليها فصوص جوهر مشبك بالذهب، ودرعاً مضاعفة، وثوباً بغدادياً فأعجبه حسنه، ثم دعا به فلبسه. وقال: يا مهلبي إنما لبسته لأسرك به، فقال يا أمير المؤمنين: لو كنت سوقة لوجب على الفتيان تعلم الفتوة منك، فكيف وأنت سيد الناس؟

وذكروا إنه كان للمتوكل جارية اسمها شجرة الدر. وكان يميل إليها ميلا كبيراً ويفضلها على سائر حظاياه. فلما كان يوم المهرجان أهدى إليه حظاياه هدايا نفيسة واحتفلن في ذلك، فجاءت شجرة الدر بعشرين غزالا تربية، على كل غزال خرج صغير مشبك حرير فيه المسك والعنبر والغالية وأصناف الطيب، ومع كل غزال وصيفة بمنطقة ذهب وفي يدها قضيب ذهب في رأسه جوهرة فقال المتوكل لحظاياه، وقد سر بالهدية، ما فيكن من تحسن مثل هذا وتقدر عليه. فحسدنها وعملن على قتلها بشيء سقينه لها فماتت.

والى جانب هذه الألوان من الهدايا كانوا يهدون الطين. قال الثعالبي: وكانوا يهدون طين نيسابور، وهو طين الأكل لا يوجد مثله في الارض، يحمل إلى أدنى البلاد وأقاصيها، ويتحف به الملوك، وربما بيع الرطل منه بدينار.

أما هدايا الفصد، فلا تخرج عما ذكرت من قبل، فكانوا يهدون الجواري والصواني والأقداح والجامات البلور والشمامات والعنبر والمسك.

فقد فصد الرشيد فأهدى إليه اليزيدي جام بلور، وشمامات غالية، وكتب إليه: (يا أمير المؤمنين، تفاءلت بالشرب بالجام بجمام النفس ودوام الأنس، والغالية للغلو في السرور والازدياد من الحبور).

واقتصد المأمون مرة فأهدى إليه إبراهيم بن المهدي جارية معها عود، ورقعة فيها:

عفوت وكان العفو منك سجية ... كما كان معقوداً بمفرقك الملك

وفي مرة ثانية، أهدت إليه (رباح) أترجة عنبر، مكتوب عليها بماء الذهب بيتين من الشعر أعجب بهما، فكافأهما بمال كثير.

وافتصد المعتصم فأهدت إليه (شمائل) صينية عقيق عليها قدح، أسبل عليهما منديل مطيب، مكتوب عليه بالعنبر، أبيات شعر رقيق، فلما قرأه أمر بإحضار اسحق بن إبراهيم، وأمره أن يجعل له لحنا، وأمر مسرورا بإخراجها من وراء الستارة، ثم لم يزل يردد هذه الأبيات حتى أحكمتها شمائل وغنت فكأن سقط الدر يتناثر من فيها وأمر لإسحاق بمال وللجارية بخمس وصائف وخمسة آلاف دينار.

وافتصد إبراهيم بن المهدي، فأهدى إليه اسحق بن إبراهيم الموصلي صوتا من غنائه، وأرسل غلامه فغناه به.

وربما طلب الخليفة من خاصته أن يهدوه، كما فعل المتوكل. فقد افتصد، فقال لخاصته وندمائه اهدوا إلي يوم فصدي. فاحتفل كل واحد منهم في هديته.

وأهدى إليه الفتح بن خاقان جارية لم ير الراءون مثلها حسنا وظرفا وكمالا. فدخلت ومعها جام ذهب في نهاية الحسن، ودن بلور لم ير مثله فيه شراب يتجاوز الصفات، ورقعة فيه تهنئة بالشفاء فاستظرف المتوكل ذلك واستحسنه.

ولعل ألطف هدية أهديت في يوم فصد، هي هدية أبي دلف فقد افتصد عبد الله بن طاهر، فجمع أبو دلف ما أصاب في السوق من الورد وأرسله هدية له، وقد أوردت هذا الخبر لظرفه، رغم أن ابن طاهر ليس من الخلفاء.

أما هدايا العمال والولاة والملوك فكثيرة. فكان كل وال يتفنن بإرسال الهدايا للخليفة ابتغاء مرضاته. فقد وجد يعقوب ابن الليث صاحب خراسان إلى المعتمد هدية من جملتها عشر بزاة منها باز أبلق لم ير مثله، ومائة مهر، وعشرون صندوقا على عشرة بغال، فيها طرائف من الصين وغرائبه، ومائة عود من مسك، ومائة من عود هندي، وأربعة آلاف درهم.

ولما قدم ابن الجصاص من مصر على المعتضد، مرسلا من خمارويه، كان معه هدايا من العين عشرين حملا على بغال. وعشرة من الخدم، وصندوقان فيهما طرائف. وعشرون رجلا على عشرين نجيبا بالسروج المحلاة، ومعهم جرار فضة، وعليهم أقبية ديباج وسبع عشرة دابة بسروج ولجم، منها خمسة بذهب والباقي بفضة، وزرافة

وقد يرسل إلى الخليفة كل غريب. ففي سنة 299وردت من مصر هدايا منها كما ذكر الصولي تيس له ضرع يحلب اللبن.

ووردت رسل أحمد بن إسماعيل بهدايا منها مذبة مرصعة بفاخر الجوهر، وتاج من ذهب مرصع بجوهر له قيمة كبيرة. ومناطق ذهب مرصعة، وربعة ذهب مرصعة.

ووردت هدايا ابن أبي الساج أربعمائة دابة، وثمانون ألف دينار، وفرش أرمني لم ير مثله في بساط طوله سبعون ذراعا في عرض ستين ذراعا، عمل في عشر سنين.

وفي سنة 305، زمن المقتدر، ورد على السلطان هدايا جليلة من أحمد بن هلال صاحب عمان. وفيها أنواع الطيب، ورماح، وطرائف من طرائف البحر، وطائر أسود يتكلم بالفارسية والهندية أفصح من الببغاء، وظباء سود.

وفي سنة 310هـ وصلت هدية ابن المادرائي الحسين بن أحمد من مصر، وهي بغلة ومعها فلو، وغلام طويل اللسان يلحق طرف لسانه أنفه.

وكان ملوك الروم والفرنجة يهدون إلى الخلفاء العباسيين الهدايا العظام توددا وتحببا. فقد أهدى ملك الروم إلى المأمون مائتي رطل مسك، ومائتي جلد سمور. فقال المأمون: ضاعفوها ليعلم عز الإسلام.

وأهدت ملكة الفرنجة إلى المكتفي بالله سنة 293هـ خمسين سيفا، وخمسين رمحا، وخمسين فرسا، وعشرين ثوبا منسوجا بالذهب، وعشرين خادما صقليا حسنا، وعشرة كلاب كبار لا تطيقها السباع، وستة بازات وسبعة صقور، ومضرب حرير.

وفي سنة 226هـ ورد كتاب من ملك الروم إلى الراضي. وكانت الكتابة بالرومية بالذهب، والترجمة بالعربية بالفضة، بطلب الهدنة. وفيه: (لما بلغنا ما رزقته أيها الأخ الشريف الجليل من وفور العقل وتمام الأدب، واجتماع الفضائل أكثر ممن تقدمك من الخلفاء، حمدنا الله تعالى. . . وقد وجهنا شيئا من الألطاف، وهي أقداح وجرار من فضة وذهب وجوهر، وقضبان فضة، وستور، وثياب سقلاطون، ونسيج ومناديل وأشياء كثيرة فاخرة).

فكتب إليهم الجواب بقبول الهدية، والإذن في الفداء، وهدنة سنة.

فهذه ألوان من الهدايا، وتبيان لهذه العادة الاجتماعية التي كان لها شأن في العصر العباسي، الحافل بالعجائب والغرائب.


 ****************************************


عشق القيان ... صور من العصر العباسي للأستاذ صلاح الدين المنجد


كان للقيان في العصر العباسي الشأن العظيم والمنزلة العليا. ولم تشغل الحرائر ما شغلته القيان في الأدب والتاريخ والاجتماع، ولم يكن لهن ما كان لأولاء من أثر في تهذيب النفوس وصقل الطباع وانتشار المجانات؛ إلا من أوتيت منهن الإمارة والجاه والسلطان، شبيهات علية وزبيدة والعباسة والخيزران.

وقد خلا الأدب من صور المخدرات، ولكنه رف بكثير من صور هؤلاء الجاريات؛ ففيه عنهن أشاوى حسان، وأحاديث ظراف، وأوصاف بارعات

ولم تبلغ القيان هذه الرفعة وتلك المنزلة إلا بعد الجد والجهد، والتعليم والتلقين، والصقل والتهذيب؛ فكن يتخرجن على المغنين الكبار أشباه الموصلي وابن المهدي، ويحذقن العزف والضرب، ويتفقهن في العربية، يحفظن نوادر الأحاديث وفرائد اللغة، وأمالي المجالس وشوارد الأشعار؛ ثم يبر في إظهار الأناثة والدل، حتى تصبح الفينة مصدر غواية وفتون، ومثار دعابة وفجور، وبهجة الأرواح ومنية النفوس؛ فلا غرو إن أقبل عليهن الشيخان والشبان، ولا عجب إن هن أتقن فن العشق وأصابت سهامهن قلوب الأبعاد والأحباب.

وقد ألفوا عنهن رسائل حسانا، منها رسالة القيان للجاحظ، وكتاب القينات لإسحاق بن إبراهيم الموصلي، وكتاب القينات للمدائني، وكتاب القينات ليونس بن سليمان المغنى، وغيرهن كثار.

على إنه لم يصل إلينا من هذه الرسائل كلها غير رسالة الجاحظ التي ذكر فيها الكثير من أحوال القيان وطبائعهن وميولهن وأخلاقهن وطرقهن في الإغواء. وقد خصهن أبو الطيب الوشاء في كتابه (الموشى) بفصل ممتع عن عشقهن وغرامهن، زاد فيه على ما ذكره الجاحظ وأفاد.

وقد لا تجد في أدبنا العربي صفحة أكثر متوعاً وأبرع وصفاً وأشد دقة من وصف الجاحظ والوشاء لعشق القيان، والحيل التي يتبعنها لاستمالة الشبان، والسبل التي يسلكنها لطردهم إذا نفذت دنانيرهم وأفلسوا. فلقد بلغا في وصفهما الذروة التي لا تسامي، والغاية الت تدانى.

لا جرم أن الجاحظ كان أسبق إلى وصف ذلك، ولكنه أجمل وأوجز؛ أما الوشاء فلم يتعد ما قاله الجاحظ إلا قليلاً ولكنه شرح وفصل

والمهم في وصف عشق القيان أن الكاتبين أبانا فيه عن عواطف كامنات، وحيل مكنونات، وطرق مغريات، حتى تشعر وأنت تقرأ أنك اليوم بين يدي غانية من غواني الحانات اللواتي تخرجن في الفتنة والإغواء

فقد قرروا أن القينة لا تكاد تخلص في عشقها، أو تناصح في ودها، لأنها مجبولة على نصب الحبالات والشراك للمتربطين ليقعوا في أنشوطتها. ذلك لأن حبهن كلهن كذوب، وعشقهن متبدل غير ثابت. فهو لطمع وغرض، ولذا كن يقصدن أهل النشب واليسار، ويصدفن عن ذوي الإقتار.

وكان من عادة القينة إذا رأت في مجلس فتى له غنى وكثرة مال وحسن حال، أن تميل إليه لتخدعه؛ فتمنحه بادئ بدء نظرها، وغمزته بطرفها، وأشارت إليه بكفها، وداعبته بالتبسم، وغازلته بأشعار الغناء، فغنت على كاساته، ومالت إلى مرضاته، ثم تظهر الشوق إلى طول مكثه، والميل إلى سرعة عوده؛ حتى توقع المسكين في حبالها، وتعلق قلبه بحبها، وتطعمه في قربها ثم تحزن لزواجه، وتبكي لفراقه، وتكاتبه تشكو إليه هواها، وتقسم له إنه ضميرها في ليلها ونهارها، وأنها لا تريد سواه، ولا تؤثر أحداً على هواه، ولا تنوي انحرافاً عنه؛ ثم تعزز ذلك بالرسل، وتخبره عن سهرها، وتنبئه عن فكرها، وتشكو إليها القلق، وتخبره بالأرق، وتبعث إليه بخاتمها وفضلة من شعرها، وقلامة من ظفرها، وقطعة من مسواكها، ولبان قد جعلته عوضا من قبلتها، وكتاب قد نمقته بظرفها، ونقطت عليه قطرات من دمعها، وضمنته الشوق والشكوى، وسألته المواتاة على حبها. . . وربما منحته من ريحانها، وأهدت إليه في النيروز سكراً وفي المهرجان خاتماً، وأخبرته إنها لا تمل الدموع إذا غاب، ولا ذكرته إلا تنغصت، ولا هتفت باسمه إلا ارتاعت. . . فلا يشك المسكين في إخلاص حبها، فيميل إليها بوده. . . حتى إذا رأت إنها حوت عقله، وصارت شغله، واستمالت لبه، وسلبت قلبه، وعلمت أنه غريق في بحر حبها. . . أخذت في طلب الهدايا، فتشهت الثياب والأزر والأردية والعمائم والتكك والخفاف. والعصائب المرصعة، وخواتيم الياقوت، ثم تمارضت من غير سقم، وتعالجت من غير حاجة منها إلى الدواء لتجيئها هدايا ذوي الوجد، من القمص المعنبرة، والغلائل الممسكة، والأردية المرشوشة، ومخانق الكافور، والمسك الأذفر، والعنبر الأشهب، والعود الهندي، والماورد الجوري، والفراريج، والجداء الرضع، والدجاج الفائق، والفراخ المسمنة، والفاكهة والرياحين؛ يتبعها صنوف من الشراب: من العسل والمطبوخ والمشمس، ثم تلحقها الدنانير والدراهم، فلا تزال في هدايا متواترة، وألطاف متتابعة. حتى إذا نفد اليسار وذهب الإكثار، وأتلف المال وجاء الإقلال، وأحست بالإفلاس. . . أظهرت الملل، وتبرمت بكلامه، وضجرت بسلامه، وتفقدت منه الزلل، وتتبعت عليه سقطاته، وأخذت في الجفاء والعتاب والقلى والإبعاد، وصرفت عنها هواه ومالت إلى سواه، فحينئذ يدرك المغرور الندم والأسف.

ولقد كانت القيان ينظرن إلى المال، وكن يحتملن القبح والشيب مع اليسار ويكرهنهما مع الفقر. وهذا شأن الحسان كلهن. . . (فليس للفقر مع الحب عمل)

وربما اجتمع عند القينة من مربوطيها ثلاثة أو أربعة، وعندئذ يتحامون الاجتماع، ويتغايرون عند الالتقاء، فتبكي لواحد بعين، وتضحك للآخر بالأخرى، وتغمز هذا بذاك، وتعطي واحدا سرها، والآخر علانيتها، وتوهم أنها له دون الآخر، وتكتب لهم عند الانصراف كتبا على نسخة واحدة تذكر لكل واحد منهم تبرمها بالباقين وحرصها على الخلوة به دونهم جميعاً.

وبعد، فما رأيت ابرع، ولا أحسن، ولا أرق، ولا أملح، ولا أنفذ في العواطف، ولا أكسب للقلوب من هذا الوصف. حتى لتحسب أنك أمام عالم نفسي لا يدع غمزة ولا إشارة ولا عاطفة ولا حيلة إلا أحصاها. وليت شعري أكان الجاحظ والوشاء عاشقين للقيان لقيا في سبيلهما الجهد والعناء، فثأرا منهن بهذا الوصف؟ وكأني بالجاحظ (وهو الذي عابوه بملك القيان) قد تيمه هواهن، وأذبل غصنه حبهن. . . أو أنه رأى عن قرب ما كن يصنعن.

فقال: (ولو لم يكن لإبليس شرك يقتل به ولا علم يدعو إليه ولا فتنة يستهوي بها إلا القيان لكفاه) ثم يستدرك فيقول (وليس هذا بذم لهن، ولكنه من فرط المدح، وليس يحسن هاروت وماروت، وعصا موسى وسحرة فرعون، إلا دون ما يحسن)

على أن الجاحظ إذا قسا عليهن فقد اتخذ لهن أعذاراً. قال: (وكيف تسلم القينة من الفتنة، أو يمكنها أن تكون عفيفة، وإنما تكتسب الأهواء، وتتعلم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهي تنشأ من لدن مولدها إلى أوان وفاتها بما يصد عن ذكر الله من لهو الحديث وصنوف اللعب والأخابيث، وبين الخلعاء والمجان، وتروي الحاذقة منهن أربعة آلاف صوت فصاعداً؛ يكون الصوت فيما بين البيتين إلى أربعة أبيات، إذا ضرب بعضه ببعض يكون عشرة آلاف بيت ليس فيها ذكر الله إلا عن غفلة، ولا ترهيب عن عقاب، ولا ترغيب في ثواب، وإنما بنيت كلها على ذكر الزنا والقيادة والعشق والصبوة والشوق والغلمة؛ ثم لا تنفك من الدراسة لصناعتها، منكبة عليها، تأخذ من المطارحين الذين طرحهم كله تجميش، وإنشادهم مراودة، وهي مضطرة إلى ذلك في صناعتها، لأنها إن جفتها تفلتت، وإن أهملتها نقصت، وإن لم تستفد منها وقفت).

تلك صفحة من أدبنا العربي ما أحسب إنها تقل عن أدب كبار الوصافين والنفسيين في الغرب، لأنها صورة حية تشيع منها القوة والصدق، ما نزال نراها كل يوم.


**********************************************


القرية الفضية. . .صور من العصر العباسي    للأستاذ صلاح الدين المنجد

هذه القرية، هي إحدى عجائب العصر العباسي في بغداد. وما أكثر ما كان من زمن العباسيين من عجائب! وكانت قرية من فضة، وفيها كل ما تجد في القرى من بقر، وغنم، وجمال، وجواميس، وأشجار، ونباتات، ومساح، وناس، وكل ذلك قد صنع بأدق صنعة من الفضة، وأنفق عليه آلاف من الدراهم.

وكانت هذه القرية قد صنعت للخليفة المقتدر، ليرى كيف تكون القرى، وأغلب الظن أنه اشتهى رؤية قرية فصنعت هذه له.

وقد نعجب بالحضارة الإسلامية التي بلغت في القرن الرابع نضجها فأبدعت أشباه هذه الأشياء. وقد يدهشنا ما أنفق هذا الخليفة من الأموال، لتصنع له هذه القرية، ولكن الذي يدعو إلى العجب والدهشة معاً، قصة هذه القرية، وأثر النساء في مصيرها.

وهذه القصة جديرة بأن تكون خاتمة لمقالي السابق عن حكومة النساء لدى الخلفاء في زمن بني العباس.

ذلك بأن أم المقتدر، - وكان لها من الشأن ما عملت - كان لها داية تخدمها تسمى (نظم) وكانت نظم بارعة ذكية، فما زالت حتى صارت من قهارمها، وصارت تجري على يديها الكبير من الأمور والصغير، وكانت نظم ترغب في رجل أسمه أبو القاسم يوسف بن يحيى، فرفعته، وانتهت به إلى أسنى الأرزاق وأوسع الأحوال، وقربت بينه وبين السيدة حتى أخرجت له الصلات، فتأثلت حاله، وصار صاحب عشرات ألوف من الدنانير ثم خلطته بخدمة السيدة الأم، فزاد منها تقرباً.

وعزم أبو القاسم هذا، على تطهير ابنه يوماً، فأعد وليمة الختان عدة كبيرة، وأنفق على ذلك ما لم يسمع أن فعل مثله رجل من الحاشية، حتى إنه لكثرة ما ابتاع من الحاجات أفرد عدة دور للحيوان، وعدة دور للفاكهة، وبلغ (نظم) خبره، فسعت عند السيدة الأم وجاءته من عندها بالأموال والفرش والآنية والثياب والمخروط (وهو نوع من الزجاج)، فلما مضت أيام سألت السيدة نظماً: يا نظم إيش خبر طهر ابن يوسف؟ قالت: يا ستي قد بقيت عليه أشياء يريدها، فقالت: خذي ما تريدين واحمليه إليه، فجاءت نظم إليه فقالت: إن كان قد بقي في نفسك شيء، فعرفني. فقال لها: الختان غداً، وما بقي في نفسي شيء إلا وقد بلغته بك، وقد بقي في نفسي شيء لست أجسر على مسألته. قالت: قل ما في نفسك. قال: أشتهي إعارة القرية الفضية التي عملت لأمير المؤمنين ليراها الناس في داري، ويشاهدوا ما لم يشاهدوا مثله، فيعلموا ما لي من الاختصاص والعناية. فوجمت، وقالت هذا شيء عمله الخليفة لنفسه، ومقداره عظيم، وفي هذه القرية مئات الألوف من الدراهم، ولا أحسب جاهي يبلغ إليها. وكيف يستعار من خليفة شيء؟ ومتى سمع بخليفة يعير؟ ولكن أنا أسأل السيدة. ومضت.

قال أبو القاسم: فلما كان الليل جاءتني، فقلت ما الخبر؟ فقالت كل ما تحب، قد جئتك بالقرية هبة لا عارية، وجئتك معها بصلة ابتدأ بها أمير المؤمنين من غير مسألة أحد. فقلت ما الخبر؟ قالت: مضيت وأنا منكسرة القلب، آيسة من أن يتم هذا. فدخلت على السيدة، على هيئتي تلك. فقالت من أين؟ قلت من عند عبدك يوسف، وهو على أن يطهر ابنه غداً. قالت أراك منكسرة، قلت: ببقائك ما أنا منكسرة. قالت: ففي وجهك حديث، فقلت: خير، قالت: بحياتي عليك، ما ذاك؟ قلت: قد شكر ما عومل به ودعا وقال إني كنت أحب أن أتشرف بما لم يتشرف به أحد قبلي ليعلم موضعي من الخدمة. قالت: وما هو؟ قلت: يسأل أن يعار القرية ليتجمل بها، ويردها من غد. فأمسكت. ثم قالت: هذا شيء عمله الخليفة لنفسه، كيف يحسن أن يرى في دار غيره؟ وكيف يحسن أن يقال إن الخليفة استعار منه بعض خدمه شيئاً ثم استرده منه، وهذا فضيحة. وليس يجوز أن أسأله هبتها له لأني لا أدري إن كان قد ملها وشبع منها أم لا؟ فإن كان قد ملها فقيمتها عليه هينة. وإن كان لم يملها لم أرض أن أفجعه بها، وسأسبر ما عنده في هذا.

ثم دعت بجارية فقالت: اعرفوا خبر الخليفة، فقيل لها هو عند فلانة، فقالت (أي لنظم) تعالي معي، فقامت، وأنا معها وعدة جوار حتى دخلت، وكانت عادته إذا رآها أن يقوم لها قائماً، ويعانقها، ويقبل رأسها، ويجلسها معه في دسته (قالت نظم): فحين رآها قام وأجلسها معه، وقال: يا ستي - وهكذا كان يخاطبها - ليس هذا من أوقات تفضلك وزيارتك! فقالت: ليس من أوقاتي. ثم حدثته ساعة، وقالت: يا نظم متى عزم ابنك يوسف (!) على تطهير ابنه؟ قلت. غداً. فقال الخليفة: إن كان يحتاج إلى شيء آخر أمرت به. فقالت: هو مستكف داع، ولكن قد التمس شيئاً ما أستحسن خطابك به. قال أريد أن أشرف على أهل المملكة كلهم، ويرى عندي ما لم ير في العالم بمثله. قال: وما هو؟ قالت: يا سيدي يلتمس أن تعيره القرية، فإذا رآها الناس عنده ارتجعت. فقال يا ستي، والله هذه ظريفة! يستعير خادم لنا شيئاً، وتكونين أنت شفيعة، فأعيره ثم أرتجعه، هذا من عمل العوام لا الخلفاء. ولكن إذا كان محله من رأيك، هذا، حتى قد حملت على نفسك بخطابي وتجشمت زيارتي، وأنا أعلم أنه ليس من أوقات الزيارة، فقد وهبت له القرية، فمري بحملها بجميع آلاتها إليه، وقد رأيت أن أشرفه بشيء آخر، يحمل إليه غداً جميع وظائفنا، ولا يطبخ لنا شيء البتة، بل يرسل إليه، وبؤخذ لنا سمك طري فقط.

وأمرت السيدة بنقل القرية، فتملكها أبو القاسم.

فهذه قصة بسيطة، على أن فيها كثيراً من حياة القصر زمن المقتدر، وهي تبين لنا طرق الكلام، والمحادثة، وطرق تآمر النساء على الخليفة، وطرق تبذير الأموال. على أن أعظم هذه الأشياء كلها، هو تأثير نظم والسيدة في الخليفة، وانقياد هذا الخليفة للنساء، وتركه الأمور لهن يصرفنها كيفما شئن وأردن.

***********************************


الخلفاء العباسيون والتجسس للأستاذ صلاح الدين المنجد


شغف الخلفاء العباسيون بالتجسس ومالوا إليه. وقد كان لابد لهم من تسقط الأخبار والفحول بها لئلا ينسبوا إلى الضعف والغفلة أو يتجرأ عليهم الأعداء والأخصام. فإن من أخلاق الملك اليقظ السعيد على قول الجاحظ: البحث عن سرائر خاصته وعامته، وإذكاء العيون عليهم، والبحث عن كل خفي دفين.

وبغداد، وما كان فيها من أخلاط المخلوقات وأنماط الناس، وما انتشر فيها من أراء سياسية وعصبية، وما ظهر فيها من ميول شعوبية وعلوية وهاشمية كل هذا دفع الخلفاء إلى التجسس ولم الأخبار ليحفظوا ملكهم ويكونوا على بينة مما يجري.

وقد ذكروا أن الرسول عليه السلام، كان، كان ليقظته يرسل الجواسيس والعيون يتحسسون أخبار أعدائه المشركين. ولم يكن عصر النبي عليه الصلوات، كالعصر العباسي، ولا كان المجتمع إذ ذاك، كالمجتمع يومئذ. فليس من الغريب أن يشغف العباسيون بالتجسس، فهو ضرورة من ضرورات الملك.

كان التجسس يجري على طريقتين: ظاهرة وخفية. أما التجسس علانية فكان يقوم به أصحاب الأخبار والبريد. وكانوا منتشرين في كل مكان، وكان عليهم أن يعرفوا حال عمال الخراج والضياع، وأن يتتبعوا ذلك تتبعاً شافياً، ويستشفوه استشفافاً بليغاً، وأن ينهوه على حقه وصدقه. وأن يعرفوا حال عمارة البلاد، وما هي عليه من الكمال والاختلال، وما يجري في أمور الرعية فيما يعاملون به من الإنصاف والجور، والرفق والعسف، فيكتبوا به مشروحاً. وأن يعرفوا ما عليه الحكام في حكمهم وسيرهم وسائر مذاهبهم وطرائقهم، وأن يعرفوا حال دار الضرب وما يضرب فيها من العين والورق، وما يلزمه الموردون من الكلف والمؤن. وفي كل ما ينهونه. ينبغي أن يكونوا صادقين واثقين مما ينهون. فإذا ورد كل ذلك على الحضرة سلم إلى صاحب ديوان الإنشاء ليحمله إلى حيث يطلع عليه الخليفة ويأمر بما يرى، ثم يكتب للآفاق بما ينبغي.

فهؤلاء كانوا جواسيس رسميين، أما الجواسيس الذين لا يظهرون أنفسهم، ولا يعرفهم أحد، فكانوا أنواعاً منوعة، تفنن الخلفاء في استخدامهم. وكان فيهم الطفل (الطفل والمرأة والمحتاج والزمن وابن السبيل. . .)

وأول من عنى بالتجسس الخفي من الخلفاء: أبو جعفر المنصور (فقد كان يشتري رقيقاً من الرقيق، ثم يعطي الرجل منهم البعير، والرجل البعيرين، فيهيمون، أو يردون الماء كالمارين وكالضالين فيتجسسون. . .).

ويحدثنا الطبري أن أبا جعفر أتى مرة بأحد جنده فقال له: (أخف شخصك واستر أمرك وائتني في يوم كذا في وقت كذا. فأتاه، فقال له أن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيداً لملكنا واغتيالا له، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من ألطاف بلادهم. فاخرج بكسى وألطاف وعين حتى تأتيهم متنكراً بكتاب عن أهل هذه القرية، ثم تسبر ناحيتهم. فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب. وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك وكنت على حذر. فاشخص حتى تلقى عبد الله بن حسين متقشفاً متخشعاً، فإن جهلك وهو فاعل، فاصبر وعاوده. فإن عاد فاصبر حتى يأنس بك، وتلين له ناحيته، فإن ظهر لك ما في قلبه فاعجل علي. . .) فشخص الرجل حتى قدم على عبد الله فلقيه بالكتاب فأنكره، ونهره. وقال ما أعرف هؤلاء القوم. فلم يزل ينصرف ويعود حتى قبل كتابه وألطافه، وأنس به. فسأله الجواب. فقال: أما الكتاب فإني لا أكتب لأحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام، وأخبرهم أن ابني خارجان لوقت كذا وكذا فعاد الجاسوس إلى أبي جعفر وأخبره.

وحدث صاحب عذاب أبي جعفر قال: دعاني أبو جعفر ذات يوم، وإذا بين يديه جارية صفراء، وقد دعا لها بأنواع العذاب، وهو يقول لها: ويلك أصدقيني، فوالله ما أريد إلا الألفة، ولئن صدقتني لأصلن الرحم، ولأتابعن البر إليه. وإذا هو يسألها عن محمد بن عبد الله، وهي تقول: ما أعرف مكانه. ودعا بالدهق وأمر به فوضع عليها. فلما كادت نفسها أن تتلف قال: أمسكوا عنها، وكره ما رأى. وقال لأصحاب العذاب: ما دواء مثلها إذا صار إلى مثل حالها؟ قالوا: الطيب تشمه، والماء البارد يصب على وجهها، وتسقى السويق. فأمر لها بذلك، وعالج بعضه بيده، حتى أفاقت، وأعاد عليها المسألة، فأبت إلا الجحود. فقال لها: أتعرفين فلانة الحجامة؟ فاسود وجهها وتغيرت. فقالت نعم يا أمير المؤمنين، تلك في بني سليم. قال: صدقت، هي والله أمتي، ابتعتها بمالي، ورزقي يجري عليها في كل شهر أمرتها أن تدخل منازلكم، وتحجمكم، وتعرف أخباركم. أو تعرفين فلانا البقال؟ قالت نعم، هو في بني فلان. قال هو والله مضاربي بخمسة دنانير أمرته أن يبتاع بها كل ما يحتاج إليه من البيوع. فأخبرني أن أمة لكم في يوم كذا من شهر كذا، صلاة المغرب؛ جاءت تسأله حناء وورقاً، فقال لها: ما تصنعين بها؟ فقالت: كان محمد بن عبد الله في بعض ضياعه بناحية البقيع، وهو يدخل الليلة، فأردنا هذا لتتخذ منه النساء ما يحتجن إليه عند دخول أزواجهن من المغيب.

(قال: فأسقط في يدها، وأذعنت بكل ما أراد.

وهذه القصة والتي قبلها تبينان لنا كيف سخر أبو جعفر أحد جنده، وأمته، وبقالا مضارباً له، للتجسس وجمع الأخبار

ولعلك تعلم حبه تتبع الأسرار مما سأقصه عليك. قالوا: إن أبا جعفر قال ذات يوم لأصحابه: ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون أعف منهم، وهم أركان الدولة، ولا يصلح الملك إلا بهم. أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية. ثم عرض المنصور على إصبعه السبابة ثلاث مرات وهو يقول في كل مرة: آه، آه! قيل وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة.

وكان الرشيد من أشد الملوك بحثاً عن أسرار رعيته، وأكثرهم بها عناية وأحزمهم فيها أمراً. وكان يتسقط أخبار الهادي قبل أن يصبح هو خليفة؛ فقد كان مسرور الكبير في خدمة المهدي، وكان الرشيد حفياً به محسناً إليه. فلما انتقل أمر الخلافة إلى الهادي قال له الرشيد: أخي قوي الشراسة، وأنا أخاف إيقاعه بي، وجمع الناس على بيعة ابنه بعده. وأنا على غاية الثقة بك فاعدل إليه، وكن له عيناً عليه) فتقدم مسرور عند الهادي حتى تولى ستر بيت خلوته فكان ينهي إلى الرشيد كل كلمة من كلماته، وفعلٍ. . .

وكتب الأدب والتاريخ مترعة بأخبار تتبعه أسرار رعيته حتى كان ذلك يدفعه إلى إخفاء شخصه، والطواف مع جعفر ابن يحيى في الأسواق وبين الأحياء، ليتسقط الأخبار، ويعرف ما يدور بين الناس من الأحاديث ويستطلع ما لا يصل إليه خبره.

ولم يقنع بأسرار رعيته، بل وكل عيوناً على ولديه. فكان مسرور الخادم رقيب المأمون، وكان جبرائيل بن بختيشوع رقيب الأمين.

وعلى نحو هذا كان المأمون في أيامه. ذكر أبو الفرج أنه لما تولى الخلافة وأتى بغداد، كان يتجسس على إبراهيم بن المهدي فألزمه رجلا ينقل إليه كل ما يسمعه من لفظه جداً أو هزلا.

ويسوق الجاحظ دليلا على تتبع المأمون أسرار رعيته رسالته إلى إسحق بن إبراهيم في الفقهاء وأصحاب الحديث وهو بالشام، التي خبر فيها عن عيب واحد واحد، وعن حالته وأموره التي خفيت، أو أكثرها، عن القريب والبعيد.

وقد ذكر صاحب محاضرات الأوائل أنه كان للمأمون ألف عجوز وسبعماية، يتفقد بهن أحوال الناس من الأشقياء ومن يحبه ويبغيه، ومن يفسد حرم المسلمين. وكان لا يجلس إلى دار الخلافة حتى تأتيه أخبارهن وأنه كان يدور ليلا ونهاراً مستتراً.

وقد يكون هذا الخبر صحيحاً فيما يتعلق بإرسال العجائز، أما عددهن وأنه كان لا يجلس إلى دار الخلافة حتى تأتيه أخبارهن ففيه مبالغة.

وكان المأمون يعنى بمعرفة أحوال عماله. فكان يفحص عنهم، وعن دفين أسرار حكامه فحصاً شافياً؛ فلا يخفى عليه ما يفيد كل امرئ وما ينفق، وكان من نأى عنه كمن دنا منه، في بحثه وتنقيره، وكان يتتبع أحوال القضاة والولاة والجند. فذكروا أنه سأل يوماً جماعة: من أنبل من تعلمون نبلا وأعفهم عفة؟ فذكر كل من يراه. فقال: لا، ذاك عبد الله بن طاهر دخل مصر كالعروس الكاملة: فيها خراجها، وبها أموالها جمة ثم خرج عنها، فلو شاء أن يخرج عنها بعشرة آلاف دينار لفعل؛ وقد كان لي عليه عين ترعاه، فكتب إلي أنه عرضت عليه أموال لو عرضت علي لشرهت إليها نفسي، ولقد خرج عن ذلك البلد وهو بالصفة التي قدمه فيها، إلا مائة ثوب وحمارين وأربعة أفراس.

وحدث بشر بن الوليد قال: كنت عند المأمون، فقال: ولينا رجلا قضاء الأبلة، وأجرينا عليه في الشهر ألف درهم، وما له صناعة ولا تجارة ولا مال قبل ولا بيتاً ابتناه، وولينا رجلا آخر قضاء دمشق وأجرينا عليه ألف درهم أشار به علي محمد بن سماعة، فأقام بها أربعة عشر شهراً فوجهنا من يتتبع أمواله في السر والعلانية، ويتعرف حاله، فأخبر أنه وجد ما ظهر من ماله في هذا المقدار من دابة وغلام وجارية وفرش وأثاث قيمته ثلاثة آلاف دينار. وولينا رجلا أشار به فلان نهاوند فأقام بها أربعة وعشرين شهراً، فوجهنا من يتتبع أمواله، فأخبرنا أن في منزله خدماً وخصياناً بقيمة ألف وخمسمائة دينار سوى نتاج قد اتخذه.

وحدث إبراهيم بن السندي أنه جالس المأمون ومعه إبراهيم ابن المهدي فطفق المأمون يحدث عن أهل عسكره، حتى والله لو أن رجلا أقام في رحل كل رجل من الجند حولا، لما زاد على معرفته لشدة تنقيره وتتبعه أخبار الناس.

فهذه الحوادث التي سردناها، تدل على حبه التجسس، ودس الناس ليتسقطوا له الأخبار، ويطلعوه على ما يشاء.

وثمة خليفة آخر أولع ببث العيون، وتسقط الأخبار، حتى على وزرائه وخاصته، وهو المعتضد. وقد أورد التنوخي قصة تدل على مبلغ شغف هذا الخليفة بالتجسس، ومهارة المتجسسين في ذلك العصر. فقد كان القاسم وزيره يحب الشرب واللعب، ويخاف أن يتصل بالخليفة خبره فيستنقصه وينسبه إلى الصبوة والتهتك والتشاغل في اللذات عن الأعمال. وكان لا يشرب إلا على أخفى وأستر ما يكون. فخلا يوماً مع جوار مغنيات، والبسن من ثيابهن المصبغات، وأحضر فواكه كثيرة وشرب ولعب من نصف النهار إلى نصف الليلة الأخرى، ونام بقية الليلة، وبكر إلى المعتضد للخدمة على رسمه، فما أنكر شيئاً. وبكر في اليوم الثاني، فحين وقعت عين المعتضد عليه قال له: يا قاسم، ما كان عليك لو دعوتنا إلى خلوتك وألبستنا معك من ثيابك المصبغات؟ فقبّل الأرض وروى عن الصدق، وأظهر الشكر على هذا التبسط، وخرج وقد كاد يتلف غماً لوقوف المعتضد على هذا القدر من أمره، وكيف لا تخفي عليه مواقفه. فجاء إلى داره كئيباً، وكان له في داره صاحب خبر يُقال له خالد يرفع له أمورها، فأحضره وعرّفه بما جرى بينه وبين المعتضد، وقال له: إن بحثتَ لي عمن أخرج هذا الخبر زرتُ في رزقك وأجزتك كذا، وإن لم تعرفه نفيتُك إلى عُمان، وحلف له على الأمرين. فخرج صاحب خبره من حضرته متحيراً كئيباً لا يدري ما يعمل، وأخذ يفكر ويحتال ويجتهد. قال صاحب الخبر: فلما كان من الغد بكرتُ إلى دار القاسم زيادة تبكير على ما جرى به رسمي لفرط سهري وقلقي تلك الليلة ومحبتي للبحث، فجئتُ ولمُ يُفتح ولم يفتح باب دار القاسم بعد. فجلست. فإذا برجل يزحف في ثياب المكدين ومعه مخلاة كما يكون مع المكدين. فلما جاء إلى الباب جلس حتى فُتح، فسابقني إلى الدخول، فأولع به البوابون وقالوا: أي شيء خبرك يا فلان؟ وصفعوه فمازحهم وطايبهم وشتمهم وشتموه، وجلس في الدهليز فقال: الوزير يركب اليوم؟ قالوا: نعم. . . الساعة يركب. قال: وأي وقت نام البارحة؟ قالوا: وقتَ كذا. فلما رأيتُه يسأل عن هذا خّمدتُ أنه صاحب خبر، فأصغيتُ إليه، ولم أرهم يحفلون بأمره. وهو لم يدع بواباً ممن وصل إلى الوزير وممن لم يصل إلا سأله عنه، وكان يبدأه بأحاديث أخر على سبيل الفضول، ثم زحف فدخل إلى جنب أصحاب الستور، فأخذ معهم في مثل ذلك، وأخذوا معه في مثله. ثم زحف فدخل إلى دار العامة. فقلتُ لأصحاب الستور: من هذا؟ قالوا: رجل زمنٌ فقير أبله طيب النفس، يدخل الدار، ويتطايب، فيَهب له الغلمان والمتصرفون. فتبعته إلى أن دخل المطبخ فسأل عما أكل الوزير، ومنْ كان معه على المائدة، وفي أي شيء أفاضوا، والطباخ وغلمان صاحب المائدة كلُّ واحد يخبره بشيء، ثم خرج يزحف حتى دخل حجره الشراب، فلم يزل يبحث عن كلُّ شيء، ثم خرج إلى خزانة الكسوة، فكانت حالته وصورته هذه. ثم جاء إلى مجلس الكتاب في الديوان، فأقبل يسمع ما يجري، ويسأل الصبي بعد الصبي، والحدث بعد الحدث. عن الشيء بعد الشيء، ويخلط الجد بالمزاح والتطايب بكلامه والأخبار تنجر إليه، وتتساقط عليه، والقطع تجيئه وهو يملأ تلك المخلاة، فلما فرغ من هذا أقبل راجعاً. فلما بلغ الباب تبعتُه، فرجع حتى جاء إلى موضع من الخلد فدخل إليه، فوقفت أنتظره، فإذا هو بعد ساعة قد خرج بثياب حِسانٍ ماشياً. . . فتبعتُه حتى جاء إلى دارٍ قرب دار الخادم الموكل بحفظ دار ابن طاهر فدخلها، فسألت عنها، فقالوا: هذه دار فلان الهاشمي، رجل متجمل. فرصدته إلى وقت المغرب، فجاء خادم من دار أبن طاهر فدق الباب، فكلمه من خوخة له، فصاح به، ورمى إليه برقعة لطيفة، فأخذها الخادم وانصرف. فبكرت من سحر إلى الدار التي في الخلد، ومعي غلمان، فإذا أنا بالرجل قد جاء بزيه الذي دخل به داره، فكبسته في الموضع، فإذا هو قد نزع تلك الثياب ولبس ثياب المكدين التي رأيتها عليه أولاً، فحملته وغطيت وجهه وكتمتُ أمره حتى أدخله دار القاسم ودخلت إليه وقصصت عليه الخبر. فاستدعاه وقال: لتصدقني عن أمرك أو لا ترى ضوء الدنيا ولا تخرج من هذه الحجرة. قال: تؤمنني؟ قال: أنت آمن. فنهض وقال:

(أنا فلان بن فلان الهاشمي، رجل متجمل، وأنا أتخبر عليك للمعتضد منذ كذا. . . ويجري علّى المعتضد خمسين ديناراً في الشهر، أخرج كلُّ يوم بالزي الذي لا ينكر جيراني، فأدخل داراً في الخلد بيدي منها بيت بأجرة، فيظن أهلها أني منهم، ولا ينكرونني لزيي، فأخرج هناك بهذه الثياب وأتزامن من الموضع، وألبس لحية فوق لحيتي مخالف للوني، حتى لا يعرفني من يلقاني في الطريق، وأمشي زحفاً إلى دارك، فأعمل جميع ما عرفت، وأقتفي أخبارك من غلمانك، وهم لا يعرفون غرضي، وُيخرجون لي بالاسترسال ما لو بذل لهم فيه من الأموال الكثير لم يُظهروه، ثم أخرج إلى موضع من الخلد فأغير ثيابي، وأعطى ما اجتمع معي في المخلاة للمكدين، وألبس ثيابي الحسان، وأعود إلى منزلي، فإذا كان المساء جاءني خادم من خدم ابن طاهر مندوب لهذا، فأرمي إليه برقعة فيه خبر ذلك اليوم ولا أفتح له باباً، فإذا كان آخر الشهر جاءني فأعطيته الرقعة ويعطيني الجائزة. . .!)

قال صاحب الخبر: فحبسه القاسم أياماً فحسبه أهله أنه مات، فأقاموا عليه المآتم، فدخل القاسم على المعتضد فقال له: إبراهيم الهاشمي التزامي، بحياتي أطلْقه وأحسن إليه. . وأنت آمن من بعدها من أن أنصب عليك صاحب خبر

فتركه القاسم، وانقطعت أخباره عن المعتضد

فهذه قصة رائعة طريفة تدلك على مبلغ حب المعتضد تسقط الأخبار، ومبلغ مهارة أهل ذلك العصر في الحيلة والبراعة في التجسس، وهي قصة لا تحتاج إلى تعليق، فما قرأت في بابها في كتبنا القديمة أشوق منها ولا أحلى

ومن هذه القصة، ومن الأخبار التي سردتها لك في العدد الماضي - من قبل - ترى ما كان للتجسس من شأن عند الخلفاء العباسيين. أما عناية الوزراء بالتجسس وتحسس الأخبار، فسأبينه في مقال آت.


**************************************************


أطباء الخلفاء العباسيين  للأستاذ صلاح الدين المنجد


كان أهل جنديسابور يعنون بالطب. وكان لهم حذق بهذه الصناعة وعلم من زمن الأكاسرة. ذلك أن سابور لما تزوج إبنة القيصر فيليبس بعد افتتاحه أنطاكية بنى لها مدينة على شكل قسطنطينية، وهي مدينة جنديسابور ونقلها إليها، فأنتقل معها من كل صنف من أهل بلدها ممن هي محتاجة إليه، ومنهم أطباء أفاضل. فلما أقاموا فيها، بدءوا يعلمون أحداثاً من أهلها، ولم يزل أمرهم يقوى في العلم، ويتزايدون فيه، ويرتبون قوانين العلاج على مقتضى أمزجة بلدانهم، حتى برزوا في الفضائل، وصار أناساً يفضلون طريقتهم على اليونانيين والهند، لأنهم أخذوا فضائل كل فرقة فزادوا عليها بما استخرجوه من قبل نفوسهم، فرتبوا لهم دساتير وقوانين وكتباً جمعوا فيها كل حسنة. ولم يزالوا كذلك حتى جاءت الدولة العباسية، فأصبح أهل جنديسابور أطباء للخلافة والخلفاء ما عدا قلائل منهم.

وقد كان هؤلاء الأطباء من أهل جنديسابور ينالون منزلة كبرى من كل مكان. وكان وجودهم في بلد ما سبباً لكساد الأطباء الآخرين. وقد ذكر الجاحظ عن أسد بن جاني الطبيب البغدادي أنه أكسد مرة. فقال له قائل: السنة أوبئة والأمراض فاشية، وأنت عالم، ولك صبر وخدمة، ولك بيان ومعرفة. فمن أين تؤتى في هذا الكساد؟ قال: أما (واحدة) فإني عندهم مسلم، وقد أعتقد القوم قبل أن أطبب، لا بل قبل أن أخلق أن المسلمين لا يفلحون في الطب. واسمي (ثانية) أسد. وكان ينبغي أن أكون صليباً ومرايل ويوحنا. . . وكنيتي أبو الحارث، وكان ينبغي أن تكون (أبو عيسى) (وأبو زكريا). . . وعلى رداء قطن أبيض، وكان ينبغي أن يكون رداء حرير أسود. (وأخيراً) لفظي لفظ عربي، وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جنديسابور.

والحق أن الخلفاء حفلوا بهؤلاء الأطباء. وكانت أسرة بختيشوع ذات مكانة كبرى عندهم، ومنها كان أطباؤهم ووزراؤهم ومنها كان أيضاً الأطباء المحترفون، وأطباء البيمارستانات، ومعلمو الطب والفلسفة.

أول من تقدر بإحضار رأس هذه الأسرة إلى بغداد، هو المنصور. فانه لما بنى مدينة السلام بغداد سنة ثمان وأربعين ومائة للهجرة أدركه ضعف في معدته وسوء استمراء وقلة شهوة وكان كلما عالجه الأطباء ازداد مرضه، فتقدم إلى الربيع بجمعهم، فلما اجتمعوا قال لهم المنصور: أريد من الأطباء في سائر المدن، طبيباً ماهراً. فقالوا: ما في عصرنا أفضل من جورجيس بن بختيشوع رئيس أطباء جنديسابور؛ فهو ماهر في الطب. فأمر المنصور بإحضاره، فأنفذه العامل بجنديسابور إلى حضرة الخلافة بعد ما امتنع عن الخروج، ووصى ولده بختيشوع بالبيمارستان وأموره التي تتعلق به هناك. واستحصب معه تلميذيه إبراهيم وعيسى. فلما وصل إلى مدينة السلام أمر المنصور بإحضاره. فلما أحضر دعا للمنصور بالفارسية والعربية. فعجب المنصور من حسن منطقه ومنظره، وأمره بالجلوس، وسأله عن أشياء أجابه عنها بسكون. فقال: قد ظفرت منك يا جورجيس بما كنت أطلب. وخبره بابتداء علته، وكيف جرى أمره منذ ابتداء مرضه. فداواه حتى برئ وعاد إلى الصحة فأنزل في أجمل موضع من دوره، وأمر أن يجاب إلى كل ما يسأل. وأهدى إليه ثلاث جوار روميات حسان مع ثلاثة آلاف دينار. فأنكر جورجيس أمرهن وقال لتلميذه عيسى: يا تلميذ الشيطان! لم أدخلت هؤلاء إلى منزلي؟ ردهن إلى أصحابهن. فأعادهن. فسأله المنصور لم رددت الجواري؟ قال: لا يجوز أن يكون مثل هؤلاء في منزلي لأنا معشر النصارى لا نتزوج أكثر من امرأة واحدة، فما دامت المرأة حية فلا نأخذ غيرها، فحسن موقع هذا من الخليفة، وأمر في الوقت أن يدخل جورجيس إلى حظاياه وحرمه بلا إذن، وزاد موضعه عنده.

وظل جورجيس يخدم المنصور حتى مرض سنة اثنتين وخمسين ومائة مرضاً صعباً. وكان المنصور يرسل إليه في كل يوم يتعرف خبره. فلما أشتد مرضه أمر بحمله على سرير إلى دار العامة وخرج ماشياً إليه وتعرف خبره وسأله عن حاله. فخبره جورجيس بها، وقال له: أن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في الانصراف إلى بلدي لأنظر أهلي وولدي؛ فإن مت قبرت مع آبائي. قال له: يا جورجيس اتق الله وأسلم؛ وأنا أضمن لك الجنة. قال جورجيس: قد رضيت حيث آبائي؛ في الجنة أو النار. ثم خلف بين يدي المنصور تلميذه عيسى، ومضى إلى جنديسابور ومعه عشرة آلاف دينار وخادم، فوصلها حياً.

وحل عيسى محل جورجيس. فأخذ يبسط يده في التشارر والأذية، خاصة على الأساقفة والمطارنة، ومطالبتهم بالرشى وأخذ أموالهم. وكان فيه شرارة وطمع فلما خرج المنصور في بعض سفراته ووصل إلى قرب (نصيبين) كتب عيسى إلى مطران نصيبين يتهدده ويتوعده إن منع عنه ما ألتمسه. وكان عيسى قد ألتمس أن ينفذ له من آلات البيعة أشياء جليلة ثمينة لها قدر، وكتب في كتابه: أليس تعلم أن أمر الملك في يدي، إن أردت أمرضته، وإن أردت شفيته. فأحتال المطران في التوصل إلى الربيع وشرح له صورة الحال وأقرأه الكتاب، فأوصله الربيع إلى الخليفة، فأمر المنصور بأخذ جميع ما يملكه عيسى، وتأديبه، ونفيه ففعل به ذلك.

ثم أن المنصور سأل عن جورجيس ليؤتى به. فأمتنع لضعفه وأنفذ إلى الخليفة تلميذه إبراهيم. فقربه المنصور وأكرمه وخلع عليه، ووهب له مالاً، واستخلصه لخدمته. ولم يزل في الخدمة إلى أن مات المنصور.

وكان أبو قريش طبيب المهدي. وكان يعرف بعيسى الصيدلاني، ولم يكن طبيباً، وإنما كان صيدلانياً ضعيف الحال جداً، فتشكت حظية للمهدي ذات يوم، وتقدمت إلى جاريتها بأن تخرج القارورة إلى طبيب غريب لا يعرفها. وكان أبو قريش بالقرب من قصر المهدي. فلما وقع نظر الجارية عليه أرته القارورة، فقال لها: لمن هذا الماء؟ فقالت: لامرأة ضعيفة. قال: بل لملكة عظيمة الشأن، وهي حبلى بملك! وكان هذا القول منه على سبيل الرزق. فانصرفت الجارية من عنده وأخبرت الحظية بما سمعته منه، ففرحت فرحاً شديداً، وقالت ينبغي أن تضعي علامة على دكانه حتى إذا صح قوله اتخذناه طبيباً لنا. وبعد مدة ظهر الحبل، وفرح به المهدي فرحاً شديداً؛ فأنفذت الحظية إلى أبي قريش خلعتين فاخرتين وثلاثمائة دينار. وقالت: استعن بهذا على أمرك، فإن صح ما قلته اصطحبناك. فعجب أبو قريش من ذلك وقال: هذا من عند الله، لأنني ما قلته للجارية إلا وقد كان هاجساً من غير أصل. ولما ولدت الحظية، وهي الخيزران، موسى الهادي، سُرّ المهدي به سروراً عظيماً. وحدثته جاريته بالحديث، فاستدعى أبا قريش وخاطبه، فلم يجد عنده علماً بالصناعة، إلا شيئاً يسيراً من علم الصيدلة. إلا أنه أتخذه طبيباً لما جرى منه واستخصه وأكرمه غاية غاية الإكرام وحظي عنده، وخاصة عندما علم أنه عنّين.

واستبقاه الهادي، وظل مكرماً عنده. وعندما مرض الهادي جمع الأطباء. وكان فيهم أبو قريش، فقال لهم: أنتم تأكلون أموالي وجوائزي وفي وقت الشدة تتغافلون عني. فقال له أبو قريش: علينا الاجتهاد، والله يهب السلامة.

ثم استدعى له بختيشوع بن جورجيس من جنديسابور، فداواه وشفى. ثم كادت له الخيزران فاعاده المهدي إلى جنديسابور.

وكان ممن حظي عند الهادي الطيفوري المتطبب، وكان حاذقاً، وكان متطبب ومربيه في رضاعه وطفولته وكبره. وهو جد إسرائيل بن زكريا الطيفوري طبيب الفتح بن خاقان.

أما الرشيد، فقد أعاد بختيشوع؛ فقد مرض سنة 171هـ. من صداع لحقه، فقال ليحيى بن خالد: هؤلاء الأطباء ليسوا يفهمون شيئاً. فقال له يحيى: لما مرض أخوك الهادي، أرسلوا إلى جنديسابور فأحضروا رجلاً يُعرف ببختيشوع. فقال الرشيد: كيف أعاده وتركه؟ قال لما رأى والدتك، والطبيب عيسى أبا قريش يحسدانه، أذن له بالانصراف إلى بلده، فأمر الرشيد بحمله. فورد بختيشوع ودخل على الرشيد فداواه. وأكرمه الرشيد وخلع عليه خلعة سنية. ووهب له مالاً وافراً، وقال له: تكون رئيس الأطباء، ولك يسمعون ويطيعون.

ثم حل جبرائيل بن بختيشوع عند الرشيد محل أبيه. وقد خص بادئ أمره بجعفر بن يحيى؛ وذلك أن جعفر هذا مرض، فتقدم الرشيد إلى بختيشوع بن جورجيس بأن يخدمه. وكان من أدب الطبيب إذا كان خاصاً بالملك أن لا يخدم أحداً من أصحابه إلا بأمره، ولما أفاق جعفر من مرضه قال لبختيشوع: أريد أن تختار لي طبيباً ماهراً أكرمه وأحسن إليه. قال له بختيشوع: لست أعرف في هؤلاء أحذق من أبني جبرائيل وهو من أمهر مَنْ في الصناعة. فقال: أحضرنيه. فلما أحضره شكا إليه مرضاً كان يُخفيه، فدبره في مدة ثلاثة أيام وبرأ. فأحبه جعفر مثل نفسه وصيره رئيس الأطباء، وكان لا يصبر عنه ساعة، ومعه يأكل ويشرب.

وقد أتصل جبرائيل بالرشيد بسبب حظية له. فقد كان للرشيد حظية فُتن بها، تمطت ذات يوم ورفعت يدها، فبقت منبسطة لا يمكنها ردها. والأطباء يعالجونها بالتمريخ والأدهان ولا ينفع ذلك شيئاً. فقال الرشيد لجعفر بن يحيى: قد بقيت هذه الصبية بعلتها. قال له جعفر: لي طبيب ماهر، وهو ابن بختيشوع تدعوه وتخاطبه في معنى هذا المرض، فلعل عنده حيلة في علاجه. فأمر بإحضاره. ولما حضر قال له الرشيد: ما اسمك؟ قال: جبرئيل. قال: أي شيء تعرف من الطب؟ قال: أبرّد الحار، وأسخن البارد، وأرطب اليابس وأجفف الرطب. فضحك الرشيد وسر. وشرح له حال الصبية. فقال جبرئيل: إن لم يسخط علي أمير المؤمنين فلها عندي حيلة. قال له الرشيد: ما هي؟ قال: تخرج الجارية إلى هنا بحضرة الجمع حتى أعمل ما أريده، وتمهل علي ولا تعجل بالسخط، فأمر الرشيد بإحضار الجارية، فخرجت، وحين رآها جبرئيل أسرع إليها ونكس رأسه، وأمسك ذيلها كأنه يريد أن يكشفها، فانزعجت الجارية، ومن شدة الانزعاج والحياء استرسلت أعضاؤها، وبسطت يدها إلى أسفل وأمسكت ذيلها. فقال جبرئيل: قد برأت يا أمير المؤمنين. فقال الرشيد للجارية: ابسطي يدك يمنة ويسر، ففعلت، فعجب الرشيد وكل من كان حاضراً، وأمر لجبرئيل في الوقت بخمسمائة ألف درهم، وأحبه، وجعله رئيساً على جميع الأطباء.

وكان محله يقوى ويعلو، حتى أن الرشيد قال لأصحابه: كل من كانت له حاجة إلى فليخاطب فيها جبرئيل، لأني أفعل كل ما يسألنه ويطلبه مني. فكان القواد يقصدونه في كل أمورهم. ومنذ يوم خدم الرشيد إلى أن انفضت خمس عشرة سنة لم يمرض الرشيد، فحظي عنده حظوة كبرى.

ونستطيع أن نعلم حال هذا الطبيب وأبوه وجده من كلمة له قالها لإبراهيم بن المهدي: (إن عيش جبرئيل، وبختيشوع ابيه، وجورجيس جده، لم يكن من الخلفاء، وإنما كان من الخلفاء، وولاة العهد، واخوة الخلفاء، وعمومتها، وقرابتها، ووجوه مواليها، وقوادها. وولى أبوان خدما الخلفاء وافضلوا عليهما، وأفضل عليهما غيرهم ممن هو دونهم. وقد أفضل علي الخلفاء، ورفعوني من حد الطب إلى المعاشرة والمسامرة، وليس لأمير المؤمنين أخ ولا قرابة، ولا قائد ولا عامل إلا وهو يداريني إن لم يكن مائلاً بمحبته وشاكراً لي، على علاج عالجته به، ومحضر جميل حضرته له، ووصفته وصفاً حسناً عند الخليفة فنفعه).

************************************************************

مآكل الخلفاء العباسيين صور من العصر العباسي : للأستاذ صلاح الدين المنجد

لعل الملوك والخلفاء من أشد الناس حرصاً على انتقاء ما لذّ من الطعام وطاب، فهم يتخيرون اللذيذ من كل شيء، وما عليهم إن أتعبوا غيرهم، أو أنفقوا الأموال الطوال في سبيل ذلك.

والخلفاء العباسيون، كانوا يعنون بهذا الأمر كل العناية، وكانوا يحرصون على ألا يفوتهم من لذائذ المآكل والثمار شيء. فكانت هذه اللذائذ تحمل من الأقطار إلى قصورهم في بغداد ليتمتعوا بها، وكانوا يفرضون أن يحمل إليهم مع خراج كل بلد، ما حسن فيه من مأكل أو ثمر أو زهر. وهكذا كان يحمل مع خراج الري الرمان والخوخ المقدد، ومن أصبهان والموصل العسل والشمع، ومن الكوفة البنفسج، ومن جرجان النرجس، ومن الصيمرة النارنج، ومن طبرستان الأترج. وكان يحمل من مكة والمدينة والحجاز إلى الخليفة العنبر والزبيب، ومن الأهواز ثلاثون ألف رطل من السكر، ومن فارس ماء الورد والزبيب الأسود والرمان والسفرجل والتين، أما دمشق، فكانت ترسل إلى الخليفة التفاح، وكان المأمون معجباً به، يؤخذ إليه منه ثلاثون ألف تفاحة مع الخراج.

وكانوا إذا اشتهوا شيئاً ولم يكن له نصيب في الخراج، أرسلوا يطلبونه. فقد كانوا يطلبون ألوان اللحوم والطيور، ولو بعد مكانها، فتأتيهم على البريد. وينفقون في ذلك الأموال الكثيرة. وكل هذا ليمتع الخليفة بالطيبات من المآكل والأثمار.

ومظهر هام من مظاهر هذه العناية يتجلى لنا، عند بعض الخلفاء، بالألوان الكثيرة التي كانت تهيأ له من الطعام. وقد كان عدد هذه الألوان يبلغ مبلغاً، ما سمع ولا عرف. حدث جعفر بن محمد - وكان أحد العشرة اللذين أختارهم المأمون لمجالسته ومحادثته من الفقهاء والمتكلمين وأهل العلم - قال: تغدينا يوماً عنده - أي عند المأمون - فظننت أنه وضع على المائدة أكثر من ثلاثمائة لون. وكلما وضع لون، نظر إليه المأمون فقال: هذا يصلح لكذا، وهذا نافع لكذا.

ومهما يكن أمر هذا الظن الذي ظنه هذا الفقيه، فلا بد أن يكون عدد ألوان الطعام كبيراً.

وقد كنا نرتاب بالخبر لولا أن ذاكره هو ابن طيفور، ولم يؤرخ المأمون أحد مثله.

ويؤيد ما ذكرناه من تكثير الخلفاء ألوان الطعام ما رواه

المسعودي، فقد ذكر أن الرشيد كان ينفق على طعامه في كل

يوم عشرة آلاف درهم. وأنه ربما أتخذ له الطباخون ثلاثين

لوناً من الطعام. وكان يتخذ للقاهر اثني عشر لوناً (آدم

متز1247)

فلننظر الآن فيما كانوا يرحبون فيه.

نلاحظ أن أكثر ميل ملوك بني العباس كان إلى اللحوم، وخاصة لحوم الدجاج. يقول الجاحظ: وملوكنا وأهل العيش منا لا يرغبون في شيء من اللحمان رغبتهم في الدجاج. وهم يقدمونها على البط والنواهض والدراج، وعلى الجداء. . . وهم يأكلون الرواعي كما يأكلون المسمنات.

أما رغبتهم في الدجاج فذلك لأنه أكثر اللحوم تصرفاً. فهي تطيب شواء، ثم حاراً، وبارداً، ثم تطيب في البز ما ورد، وهو طعام من البيض واللحم، أو رقائق ملفوفة بلحم، ثم تطيب في الهرائس، وتطيب طبيخاً، وإن قطعتها مع اللحم دسم ذلك اللحم، وتصلح للحشاوى، وسمينها يقدم في السكباجة على البط.

وفي الشتاء كانوا يرغبون في الأطعمة الحارة المهيجة. فقد قال المأمون لأبي كامل الطباخ يوماً: اتخذ لنا رؤوس حملان تكون غداءنا غداً. ثم التفت إلى علي بن هشام، وكان حاضراً، فقال إن من آيين الرؤوس أن تؤكل في الشتاء خاصة، وإن يبكر آكلها عليها، وألا يخلط بها غيرها، ولا يستعمل بعقبها الماء.

وكان المأمون يميل أيضاً إلى لحم الغنم، وقد قال للحسن بن سهل يوماً: نظرت في اللذات فوجدتها كلها مملولة، سوى سبعة. قال الحسن: وما السبعة يا أمير المؤمنين؟ قال: خبز الحنطة، ولحم الغنم، والماء البارد. . وعد أربعة غيرها.

وقد يعجب بعضهم بالمملحات والممقورات. فقد خرج المقتدر يوماً إلى بستان الخلافة، فطلب طعاماً، فلم يحضر طعامه، فقدم له، ملاح جونة مليحة من خيازر (ج خيزران) فيها جدي بارد، وسكباج مبرود، وبزماورد وأدام، وقطعة مالح ممقور، وأرغفة سميد جيدة. فاستنظفها وأكل منها، واستطاب المالح والادام، فكان أكثر أكله منه.

وعلى ذكر البزماورد، نقول أنه كان يسمى في العصر العباسي لقمة الخليفة، ولقمة القاضي، ونرجس المائدة. وهذه التسمية تدلنا على أن الخلفاء والقضاة كانوا يأكلونه ويحلون به موائدهم. وهذا البزماورد، كان يتخذ من اللحم والبيض في بغداد. ويذكر لنا الجاحظ أن أهل خراسان كانوا يعجبون باتخاذ البزماورد من فراخ الزنابير.

ويبدو أن اتخاذ البزماورد من فراخ الزنابير ليس بعجيب، فقد كان الفضل بن يحيى يوجه خدمه في طلب فراخ الزنابير ليأكلها، وفراخها ضرب من الذبان الكبار، كما يقول الجاحظ.

وكانوا يرغبون في السكباج، ويسمونه مخ الأطعمة وسيد المرق. ولقد تشكى خليفة يوماً لجارية له من هذا الطعام، فقال لها، إلى كم سكباج؟ قالت: هو مخ الأطعمة، لا يكره بارده ولا يمل حاره، بل يستطاب في الحضر، ويتزود منه في السفر، ولا يؤثر عليه الضيف في الشتاء والصيف.

وإلى جانب ما ذكرنا، كانو يعنون بالسكارج والبقول، ويقولون: لكل شيء حلية، وحلية الخوان السكرجات والبقول. ويقدرون الأرز حق قدره، ويقولون الأرز غذاء ضحيح.

وكانوا يأكلون ألسنة السمك، يعمدون إلى السمك فينزعون ألسنته ويأكلونها. ولقد دعا إبراهيم بن المهدي الرشيد مرة فأعد له طبقاً ألسنة السمك، وأنفق على صحفة صغيرة منه مبالغ طائلة.

أما السمك نفسه، فكانوا يأكلونه أيضاً، ويلاحظ أنه كان مرغوباً فيه من النصارى كثيراً، فكانوا يأكلونه أكلاً ذريعاً. ويحدثنا الجاحظ أنه لكثرة إقبالهم عليه كانوا يغلونه على الناس، حتى تتوخى أياماً بأعيانها فلا يشترى السمك إلا فيها طلباً للإمكان والاسترخاص وهي يوم الخميس، ويوم السبت، ويوم الثلاثاء.

ومن المآكل التي كانوا يعجبون بها ألبان الضباء. وكان الرشيد يسر بها. ولقد زار جعفر بن سليمان والي البصرة سنة196، فأحضر له على مائدته ألبان الضباء وزبدها فاستطاب طعومها وسر بها.

ولون آخر كانوا يشتهونه، هو كبود الدجاج وحدها. ويحدثنا التنوخي أن إبراهيم الحراني الصابئ الطبيب كان بين يدي الموفق يوماً، فقال له: أنا أشتهي شهوة منذ سنتين، وأستقبح أن أطلبها وقد عن لي الساعة مواضعتك على طلبها. قال إبراهيم: قلت يا أمير المؤمنين مر، قال: ويحك أنا والله منذ سنتين كثيرة أشتهي كبود الدجاج وقوانصها مطبهجة، وأستقبح أن أطلبها. . . وأريد إذا قدمت المائدة، وجلست معي للأكل، أن تشتهي ذلك علي وتشير به من طريق الطب لأتقدم إليهم باتخاذ شيء منه، بشيء يسير، فيصير ذلك القدر رسماً في كل يوم لا يؤثر عليهم قدره. قال فعجبت من كرمه وفرط حيائه من خدمه حتى يلفق الحيلة، وقدمت المائدة، فجلس يأكل وحده وجلست مع الندماء آكل على مائدة بين يديه. فلما أكل بعض أكلة قلت: لم لا يأمر أمير المؤمنين بأن يتخذ له شيء يسير في زبديات من كبود الدجاج المسمن وقوانصه بالبيض والمري فيطحن بعضه. . . فأصلح له زبدية من كبود الدجاج وقوانصها، وصار رسماً جارياً.

أما الخبز. فكانوا ينوعونه، ويتخيرون أطيبه، وقد كان الرشيد يأكل يومين متواليين خبز السميذ، والثالث الحواري، والرابع الخشكار والخامس والسادس خبز الأرز النقي من خبز التنور.

ويبدو أن الخبز وكثرته كان يؤثر في نفس بعض الخلفاء. فلقد سأل الواثق بن أحمد بن أبي داؤد يوماً ما جمال الموائد؟ فقال: كان يقال: جمالها كثرة الخبز عليها. فقال: أصبت وأحسنت فإن اختلفت الألوان وكان الخبز كثيراً شهد لصاحبها بالشرف.

فهذه بعض الألوان التي كان الخلفاء العباسيون يرغبون فيها من المآكل وهي ألوان فيها النادر والغريب. ولقد كانوا ينفقون في سبيل الحصول على هذه المطاعم الأموال الكثيرة في كل شهر. وقد ذكروا أن الرشيد كان ينفق على طعامه كل يوم عشرة آلاف درهم.، وأن نفقات المطابخ والخابز بلغت في القرن الرابع، في دار الخلافة عشر آلاف دينار في الشهر. وهذا المبلغ دليل على كثرة الإنفاق. وإن كان أكثر هذا في باب الإسراف. ويحدثنا التنوخي أن المعتضد طلب يوماً لوناً من الطعام، فقيل له ما عمل اليوم، فأنكر ذلك، وقال يجب أن لا يخلوا المطبخ من كل شيء حتى إذا طلب لم يتعذر، ووقع إلى ديوان النفقات بإقامة ذلك اللون إلى أن يرد التوقيع بقطعه، فكان يعمل وينفق عليه دراهم كثيرة ولا يحظر المائدة توقعاً أن يطلبه، فيقدم عند الطالب كما رسم. فمضى على ذلك سنة ولم يطلبه. وهو يصنع. وكان هذا اللون جزورية وكان الطباخ يذبح في كل يوم قلوصاً.

على أنه إذا كان بعض هؤلاء الخلفاء ينفقون الأموال على الدجاج وكبود الدجاج وعلى ألسنة السمك والجداء وغير ذلك، ويحرصون كل الحرص على التلذذ بها، فقد كان بعضهم الآخر كالقاهرة يستكثر صنوف الطعام أن توضع أمامه، ويقتصر على ما يكفيه وكان آخرون كالمهتدي لا يأكلون غير الخبز النقي ومعه الملح والخل والزيت.

وسنفصل في مقال آخر ما يتعلق بعلمهم فوائد المآكل، وانتقائهم صاحب الطعام والشراب في قصورهم، وكيف كانوا يأكلون، والآلات التي كانوا يرغبون فيها لآجل ذلك.

تعليقات